لماذا نحن ضعفاء؟ لماذا نحن غير قادرين على ابتكار أدوات جديدة للتأثير فى الجمهور؟

عمرو صلاح



لماذا نحن ضعفاء؟ لماذا نحن غير قادرين على ابتكار أدوات جديدة للتأثير فى الجمهور؟



السؤال هنا مهم، بل لا يقل أهمية عن نقد الخصم، فى تلك الأجواء التى نعيشها نقد الخصم وكشفه وتوعية الناس يحتاج إلى شجاعة استثنائية مُقدرة، لأن الكشف والنقد كلفته عالية، بل عالية جدا ولربما هى الأعلى عبر عقود، لكن فى المقابل فإن التعامل مع الخصم، وتجاوز فكرة الموقف بشكل استراتيجى وعملى يبدأ بتحديد نقاط الضعف.. نقاط ضعفنا أولا، والإجابة عن سؤال: لماذا نحن ضعفاء؟

ففى الحقيقة لا توجد ديمقراطية كهدف أو إصلاح سياسى جزئى بلا فواعل ديمقراطيين مؤثرين فى الداخل، وهنا فالمقصود بالفواعل هو كل من يقوم بعمل فى سبيل بلوغ هدف الديمقرطية كليا أو جزئيا، الأحزاب السياسية الديمقراطية، الحركات المدنية، النشطاء، النخبة من الكتاب والصحفيين، النقابيين، مؤسسات المجتمع المدنى وغيره، وهنا فالضعف هو ضعف القدرة على الفعل، ضعف التأثير، ضعف القدرة على إحداث تغيير ولو محدود، أو حتى خلق ديناميكيات أو الاستفادة من ديناميكيات قائمة، أو تحقيق مكاسب ولو قليلة قابلة للتراكم.
وهنا مجددا فنحن فى حاجة لنسأل: لماذا نحن ضعفاء؟
بالطبع مقال لا يكفى للإجابة، فالأمر ليس على تلك الدرجة من البساطة مثلما هو فى حاجة إلى جهد بحثى شاق ومعمق ومدرك لتعقيدات مجتمعنا وظروف الداخل والخارج إن أردنا أن نفكر بشكل أكثر علمية ومنهجية وواقعية توازى درجة تعقيد الواقع وتفاصيله، لكن تظل محاولة لفت النظر والسؤال هامة، ووضع كل الاحتمالات هى بداية ضرورية، بل لا بداية من دونها، حتى لو كانت بداية تقوم على أسئلة بلا إجابة.
هل نحن ضعفاء لأننا نواجه خصما من نوع خاص؟ يستخدم تكتيكات جديدة وذكية؟ يستفيد من ديناميكيات الداخل والخارج؟ يوظف مزيجا من أدوات الماضى والحاضر؟ قبضة أعنف وسطوة أشد؟ وهو ما يفرض على الجميع كلفة باهظة للفعل، بما يجعل الفعل محفوفا بالخطر البالغ دائما وذات ثمن نحن غير قادرين على دفعه؟ وهو ما يبقينا فى حالة من الصمت والسكون فى أغلب الوقت؟
هل نحن ضعفاء لأن المناخ الدولى والإقليمى مناهض لما نريده أو غير داعم على أقل تقدير؟ لطالما تحدث الكثيرون عن أن الداخل مفصول عن الخارج، وتحدث آخرون عن أن هذا ما يجب أن يكون، أى أن الديمقراطية وحقوق الإنسان هى قضية داخلية فقط، لكن هل تلك النظرية صحيحة أو ثبت صحتها أو منطقيتها؟ هل الداخل الساعى للديمقراطية فى أى دولة مفصول عن الخارج فعلا؟ هل ما يؤثر فى الداخل لا يؤثر فى الخارج؟ وهل ما يحدث فى الخارج لا يؤثر على الداخل بالضرورة؟ هل الفصل بين الداخل والخارج موطن قوة أم موطن ضعف؟
لكن دعك من الخارج ولننظر إلى الداخل مجددا؟ هل نحن ضعفاء لأننا بالأساس كنا ضعفاء؟ نتظاهر بالقوة أحيانا، نبرع فى استخدام الصورة كثيرا لتقديم العكس، تأخذنا حماسة الانتصار واليوفوريا كثيرا جدا فى مواقف عدة فلا نقيم أو نقدر قوتنا الفعلية حق تقدير فى مقابل سلطة قادرة على المناورة والمرونة فى مواجهة التغيرات؟
هل نحن ضعفاء لأننا لا نراجع الماضى ولا نتوقف أمامه؟ لا نتأمله؟ نتكبر على الاعتراف بأخطائه والاستفادة من دروسه؟ نتعالى على الاعتراف بالقول إننا أخطأنا حينًا وإننا أصبنا حينًا؟ لا نملك شجاعة مواجهة الناس ومواجهة أنفسنا؟ لا نملك الوقت وغير مدركين لجدوى المراجعة والبحث والتفكير فى ما مضى كتأسيس لما يجب أن يكون؟
هل هى التركيبة الداخلية لما يمكن أن نسميه التيار الديمقراطى فى مصر؟ هل هو تيار ديمقراطى فعلا؟ هل هو لا يحمل فى مكوناته الفكرية ما ييسر الاستبداد ويتيح له مساحة؟ هل وجود تيارات أو أفراد (من المفترض أنهم مدنيون) فاعلين داخل التيارات الديمقراطية يتحدثون عن الثوابت الدينية والتاريخية والثوابت الوطنية والقومية والإجماع الوطنى ومؤامرة الخارج وخطط التفتيت والتفكيك هو من مظاهر الإيمان بالديمقراطية فعلا ولا يحافظ على ثقافة سياسية فى المجتمع حاضنة وراعية للاستبداد؟
هل نحن ضعفاء لأننا لا نملك تنظيمات سياسية متجذرة قادرة على التعبئة السياسية؟ هل سؤال التنظيم هو الأساس أو ما زال قائما بشكل رئيسى مثلما كان فى الماضى؟ هل ما زالت هناك الحاجة إلى تلك التنظيمات فى هذا العصر الذى نعيشه؟ عصر وسائط التواصل الاجتماعى والإنترنت الذى بدا كقوة تعبئة أهم من قوة الأحزاب التقليدية فى الغرب فى التعبئة والحشد لصالح التيارات القومية واليمينية ممكنا إياها من تحقيق ما حققته من نجاحات؟
هل نحن ضعفاء لأننا (أى ما يمكن وصفه بالتيارات الديمقراطية) لطالما تصورنا أننا شىء واحد؟ هل نحن فى حاجة إلى أن نكون شيئا واحدا على المدى القصير أو المتوسط؟ هل تلك الوحدة ضارة أم نافعة؟ وهل هى مطلوبة مرحليا أم على المدى المتوسط أم غير مطلوبة من الأساس؟ هل هى الأفضل أم الأفضل التمايز لكل صاحب أو أصحاب فكر وأن يبنى هؤلاء دوائر أنصارهم ومؤيديهم كطريق ما دام طريق الوحدة لم يفلح من قبل؟
هل نحن ضعفاء لأن الواقع أكثر قوة بكثير؟ لأن الثقافة السياسية فى هذا المجتمع الذى نعيش فيه هى ثقافة سياسية غير داعمة أو مناهضة على الدوام؟ داعمة لفكر السلطوية والأبوية المتراكمة عبر قرون تبحث دائما عن المخلص، وإن لم تجده فى البطل القومى فهى تبحث عن النجدة الربانية فى المقابل عبر وسطاء سياسيين وهكذا دواليك؟ هل تلك الثقافة لا تستطيع التحرر من هذه الثنائية فى التفكير؟ وهل ثمة تقاطع ما بين تلك الثنائية فى جذورها التاريخية التى قد تخلق قاعدة أنصار صالحة للتوظيف من قبل الطرفين دائما؟ ولكن إلى أى مدى تلك الثقافة صلبة ولا يمكن التأثير فيها أو اختراقها؟ هل المطلوب استهدافها؟ أم المطلوب استهداف أجيال جديدة أكثر تعولما وقابلية للانفتاح من أجيال تحمل تلك الثقافة التقليدية؟ أم أن تلك الثقافة برمتها بأجيالها لا يمكن المبالغة بشأن ما يمكن تحقيقه من نتائج فى التعامل معها ما دام لم يتم تحديثها من أعلى أى عبر رأس السلطة؟
هل نحن ضعفاء لأننا غير قادرين على ابتكار أدوات جديدة للتأثير فى الجمهور؟ هل نحن ضعفاء لأننا غير قادرين على تجربة وتوظيف آليات غير تلك التى اعتدنا على توظيفها عبر عقود؟ ثم ما هى تلك الأدوات التى يجب أن نجربها؟ ثم هل نحن ضعفاء لأننا فجأة اكتشفنا أننا غير قادرين على النفاذ إلى وسائل الإعلام؟ لكن هناك وسائط التواصل الاجتماعى، هل المشكلة إذن أننا لا نملك خطابا سياسيا مقنعا؟ ثم ما المشكلة فى خطابنا السياسى؟ هل المشكلة فى محتواه؟ أم الوجوه التى نقدمه عبرها؟ هل سأم الناس ساستنا؟ أم أن الناس سئموا السياسة بشكل عام وليست المشكلة لدينا بالضرورة؟ هل مطلوب تغيير هؤلاء أو استبدالهم؟ لكن كيف يمكن استبدالهم أو تغييرهم؟ هل هناك بدائل لدينا الآن؟ وإن لم يكن.. كم يحتاج إيجاد أو تخليق تلك البدائل؟
ثم ماذا عن نخبتنا؟ هل هناك مشكلة فى تلك النخبة؟ فى نمط تفكيرها؟ فى ثقافتها؟ فى ظهورها؟ فى إمكاناتها؟ فى وعيها ومعرفتها؟ فى قدرتها على التخطيط؟ فى أصولها الفكرية؟ فى رؤيتها؟ وفى ما تطرحه؟ هل هناك مشكلة فى ما نملكه من كفاءات قادرة على إقناع الناس بأن لديها شيئا حقيقيا؟ بأنها تملك شيئا ما؟ لكن دعك من النظر تحت الأقدام، دعك من التفكير فى ما نملك الآن من نخبة، ماذا عن المستقبل؟ ماذا عن عشر سنين بعد الآن؟ هل هناك جيل يملك ما يقدمه للناس؟
هل نحن ضعفاء لأن الهدف الذى نريده هو أكبر من طاقتنا وقدرتنا وهو درب من الخيال وسبب للإحباط الدائم؟ هل لأننا نخالف القاعدة الاستراتيجية التى تقول إنه عليك دائما أن تكون أهدافك وفق قدراتك وإمكاناتك؟ هل علينا إذن أن نبحث عن هدف أكثر تماشيا مع ما نملكه؟ لكن، ماذا كنا نريد من البداية؟ أن نكون بديلا ومشروعا للحكم؟ أم صوت ضمير؟ أم صوتا لخلق وعى جديد؟ أم مطلوب أن نكون أداة لتحسين الظروف؟ أم أن نكون رمانة الميزان فى موازين القوى؟
هل نحن ضعفاء لأننا نخشى التصريح بما نريد ومناقشته حول ما نريد؟ ثم ما هذا الذى نريده؟ هل نريد تغييرا جذريا مجددا؟ لكن هل نحن قادرون على دفع كلفته؟ وكيف؟ وماذا بعد إن جاءت تلك اللحظة؟ لكن، هل مصر قادرة على تحمل الكلفة؟ هل نحن كتيارات ديمقراطية قادرون على التأثير فى مثل تلك اللحظات؟ أم أننا نريد إصلاحا كخيار آمن؟ ولكن هل هناك أفق للإصلاح فى تلك الأجواء التى ترفض وجود هامش للتنفس؟



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.