جمهور الجماعات الدينية

د. محمد فياض



جمهور الجماعات الدينية



كم هو معقد هذا النوع من الجمهور، جمهور الإسلام السياسى، تركيبته معقدة وفهمه لا يتم إلا فى ضوء فهم سيكولوجية هؤلاء الأفراد، بالطبع لا يمكن لأى باحث فى تاريخ الجماعات الإسلامية أن يفكك هذه القضية دون فهم السياق النفسى للجماعات الدينية وما عانته من عُقد نفسية حاكمة، كما أن هذه الجماعات قد لحقت بها هذه العقد النفسية على مدى تاريخها، مما أصاب الوعى الجمعى لهذه الجماعات.

وما وصفناه سابقًا يندرج تحت ما يسمى العقل الباطن الجمعى «اللا شعور الجمعى»، وهو يحوى أرشيفًا لتاريخ الأمم والجماعات يؤثر بوعى أو دون وعى فى طرق تفكيرها ووجدانها وسلوكياتها، ودون هذه النقطة الكامنة فى أعماق النفس يصعب فهم الكثير من سلوكيات البشر أفرادًا أو جماعات، كما عبَّر أحد الباحثين.
وتأتى النقطة الأولى فى إطار شرحنا هنا ما سبق أن ما ذكرناه عن الجيتو الدينى وحالة الانغلاق المجتمعى، تلك الحالة التى جعلتهم يعيشون دائمًا فى حالة من الاغتراب والنفى، والنظريات المعاصرة فى الطب النفسى تؤكد أن الضمان الاجتماعى يؤدى إلى حالة من الانحسار الروحى والانكماش النفسى والقلق والشك واليأس، ثم تتفاعل هذه المشاعر وتتولد فيها حالة الاغتراب، وكذلك رسَّخ هذا الانغلاق حالة الخوف من المحيط بعنصرية الطبيعة والإنسان فى النفسية الشيعية، ومن هنا نشأ الشعور بالاغتراب وما يتبعه من شعور الاضطهاد.
إن العناصر الشعبية المندرجة فى سياق الجماعات الدينية يصير لديها ما يعرف بحالة الذوبان فى الجماعة، وهو أمر ينحصر فى الحديث عن الجماعات المنغلقة، وهى وليدة الإحساس بالتهديد الخارجى، لذا فإن الجماعة تصور العالم لدى المنتمى إلى هذه الجماعة بأنه عالمان متناقضان تمامًا، الخارج والداخل، أما الخارج فهو العدو ومصدر الخطر والشر، العلاقة معه عدائية اضطهادية والموقف منه إما انسحابى تجنبى وإما تهجمى تدميرى، أما الداخل فهو الخير كله وهو مصدر الشعور بالأمن والشعور بالانتماء، مصدر الهوية الذاتية، وهو بالتالى المرجع والملاذ.
فالإنسان الذى يشعر أنه مقهور يستعيض عن عجزه الفردى بالاحتماء بالجماعة، وبقدر شعوره بتفاقم الخطر الداخلى يميل إلى الذوبان فى الجماعة، وحسبما عبر أحد المتخصصين «أن ذلك أحد قوانين الطبيعة، وكلما ازداد الشعور بالقوة عند الكائن الحى نراه يميل إلى الفردية والاستقلال، وعلى العكس نجد الكائنات المهددة بيولوجيًّا تميل إلى التجمع بمقدار التهديد الذى تتعرض له من آفات الطبيعة أو من الكائنات العدوة..».
وهنا تتضخم قيمة الجماعة حتى تصبح القيمة المطلقة أو الوحيدة وتتضخم معها بنفس الدرجة قيمة الفرد، ويأخذ الأمر على هذا المستوى نوعًا من الشعور بالامتلاء والاعتزاز بالانتماء وحالة من الإحساس بالمنعة وترتفع درجة الذوبان فى الجماعة على المستوى الفردى بما يتناسب مع مستوى الإحساس بالضعف والعجز وانعدام القيمة لأكثر الأفراد ذوبانًا فى الجماعة وتعصبًا لها.
إن هذا النوع من الجمهور كما سماه «غوستاف لوبون» «الجمهور النفسى»، يختلف عن التجمع العادى أو العفوى للبشر، فالجمهور النفسى يمتلك وحده ذهنية على عكس التجمعات غير المرتبة أو المقصودة، رغم ذلك فإن نطاق الجمهرة فى فكرته الأصلية هو اعتقاد قطيعى أو انسياق فى تيار متدفق لا يستبين مَن يقع فى دوامته إلى أين يتجه به ولا إلى أين يدفع به، فالجماهير الجماعية محكومة كثيرًا باللا وعى، وبالتالى فهى خاضعة أكثر مما يجب لتأثير العوامل الوراثية العتيقة.
وينقلنا هذا المنحنى إلى الحديث عن الموقف الجمعى للجماعات المنغلقة عمومًا وجماعات الإسلام السياسى خصوصًا من التاريخ، وهو ما أطلق عليه البعض «عقدة تجميد التاريخ»، فِهم يُستغرق فى أحداث معينة من الماضى ويُجمد حيالها حتى كأن عجلة التاريخ قد توقفت حركتها عند أعتابها، فعندما تتبنى جماعة ما موقفًا أيديولوجيًّا من التاريخ فهى غالبًا ما تتخذ هذا الموقف تحت وطأة ظرف كثَّف لديها الشعور بحدث تاريخى معين وهو ما سماه البعض «أدلجة التاريخ»، أى تحويل الحديث التاريخى إلى قيمة ومعنى أكثر منه واقعة تاريخية.
وفى سياق مختلف، فإن مثل هذه التقوقعات الجماعية ينشأ عنها ما يعرف بالاتجاهات التعصبية والتى تنشأ دائمًا بطريقة غريزية ضد الأفراد الذين يختلفون عن الجماعة فى ما يعرف بنظرية كراهية الاختلافات، وبذلك فإننا أمام قطيع مشوه نفسيًّا، حانق اجتماعيًّا، ضحل فكريًّا، قادر على أن يتحول بكل بساطة إلى جيش من الزومبى المسلوب الإرادة الجاهز للانفجار فى وجه المجتمع.



أقرأ أيضا

فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...