جوع وتشرد وإلحاد فى شوارع أوسلو

شعبان ناجى



جوع وتشرد وإلحاد فى شوارع أوسلو



يحاول كنوت هامسون من خلال روايته «الجوع» المُعاد نشرها فى دار المدى والثقافة الجماهيرية، التأكيد على عبَثية تلك الحياة ومأساة الإنسان المتواصلة فيها، والضغوط التى تجهز عليه أينما حلّ، والتى تجعله دومًا واقفًا فى مفترق اللا طريق، وواصلاً إلى السراب.


البطل فى رواية «الجوع» يواجه مصيره العدَمى وحده بعد أن أغلقت فى وجهه كل الأبواب، وانقطعت من دونه الأسباب، وهو ما تعكسه محاولاته البطولية من أجل الصمود.

صحيح أنه نجح فى ذلك بشكل كبير ولكنه النجاح الذى يضمن له البقاء البيولوجى لا أكثر، فلم يكن لدى البطل الطموح الجارف أو الهدف البعيد الذى يسعى جاهدًا إلى تحقيقه.


بدأ المؤلف روايته بتصوير مأساة البطل مع الجوع والفاقة والتشرد فى مدينة أوسلو، عاصمة النرويج، حيث عاش فى غرفة حقيرة على «السطوح»، وارتدى أسمالاً لا تعدو كونها خرقة بالية، لكنه لم يعطِ لنا أية معلومات شخصية عن ذلك البطل من حيث أسرته وتعليمه وموروثه الثقافى والاجتماعى، واتجاهاته السياسية، وهل هو من أبناء العاصمة أم جاء مغتربًا من الأقاليم لتحقيق نجاح مع الكتابة والإبداع؟
يتماس الصراع فى هذه الرواية مع الصراع فى المأساة اليونانية من حيث صفة العبثية، وذلك عند اشتباك الإنسان الأعزل مع عناصر الطبيعة والقوى «الماورائية» قبل ظهور العقيدة الدينية، وقبل ترويض قوى الشر المسيطرة على الكون جميعه، لكن الاختلاف هنا أن الفرد فى رواية «جوع» رغم حالة الفصام التى تنتابه والتى تجعله يكفر بكل شىء لدرجة الإلحاد، نجده وقد تحول 360 درجة إلى الإيمان الكامل الذى يجعله يرى ضوءًا بعيدًا فى نهاية النفق المظلم، وهو الأمر الذى جعل البطل رافضًا فكرة الانتحار -رغم كل الظروف المؤدية له- وذلك كما فعل البطل فى المأساة اليونانية.


ورغم أن ثمة محاولات إبداعية للبطل مع كتابة القصة والمسرح والمقال، والتى نشتم منها رائحة موهبة، فإنه لم يسعَ إلى تأكيد هذه الموهبة، فيده دائمًا مرتعشة وتفكيره مُشتت. وهو الأمر الذى جعله عاجزًا عن إتمام أى مشروع إبداعى، ولا سيما أن الظروف كانت سانحة تمامًا.


لكن نستطيع القول إن العيب كان فى البطل وليس فى الظروف، فطبيعته السيكولوجية تؤكد على أنه متذبذب انفعاليًّا، عبثى، لا يقدِم على إنجاز شىء، وهو فى كل الأحوال يعلق فشله على شماعة المجتمع الظالم الذى لا يلتفت إلى مواهبه وإمكانياته، وهو ما يجعل المتلقى غير متعاطف معه فى كثير من الأحيان فنجده وقد كتب مسرحية كان من الممكن أن تحقق له بعض مجد لكنه مزّقها عند المشهد الأخير، ثم أنجز بحثًا فلسفيا رصينًا لكنه تكاسل فى الدفع به للنشر، فهو طوال الرواية لا يبدأ فى عمل إلا ويتركه فى اللحظة الأخيرة ليشرع فى عمل آخر، حتى علاقة الحب مع «نادلة» المطعم لم يتمها للنهاية.


من النقاط المضيئة فى الرواية أن البطل حينما حصل على بعض المال نظير مقالة له، وحاول أن يأكل أكلة دسمة بعد جوع طويل، نجح من خلاله فى مماطلته تماما كما فعل «الشنفرى» الشاعر الصعلوك، والذى عبر عنه فى لاميته الشهيرة، ولكن لأنه لم يتعود على الشبَع، فلم يستطع تحمل مفعول الطعام، فلفظه كله. أيضا عندما حصل على نقود من عامل المخبَز بطريق الخطأ، واستحلها لنفسه، سرعان ما وبخه ضميره فراح فى محاولات مستميتة لرد تلك النقود ولكن كيف وهو على شفا حفرة من الموت جوعًا؟!


جاءت نهاية الجوع تقليدية ومخيبة للآمال، فبعد رحلة تشرد البطل فى شوارع المدينة نجده وقد لجأ إلى الفرار على ظهر مركب مغادر إلى إسبانيا ثم إنجلترا، وهى نهاية لم يصل فيها إلى كينونته التى كان ينتظرها المتلقى، فظل شريدًا ضائعًا.


لقد كنت أتمنى أن تكون النهاية عكس ذلك وأن ينجح البطل فى تحقيق أى شىء، خصوصًا على مستوى الكتابة التى لم يكمل فيها أى مشروع، ولكنه بعد رحلة مضنية مع الجوع، يستطيع حتمًا أن يكتب قصة مكتملة بعنوان «جوع»، وستنجح قطعًا لأنه يملك مفاتيحها وسبر أغوارها.



أقرأ أيضا

البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟