قُرًى لمْ تمسّها نار العولمة




قُرًى لمْ تمسّها نار العولمة



هناك نوع من الكتب، يقدم لنا ما لا يقدّمه سواه، إنه يطير بنا، ثم يحط فى أماكن لم ولن تطأها أقدامنا، ولا حتى فى الأحلام. إنها كتب تأخذنا، ونحن فى تمام رضانا، إلى أماكن شتى، دون أن نجهد أنفسنا لا فى سفر ولا فى انتقال، موفرة لنا الكثير من الأموال والأوقات، ومن هذه الكتب كتاب «نهر على سفر»، الصادر ضمن سلسلة كتاب العربى، الذى يطير فيه أشرف أبو اليزيد بقارئه إلى دول وشعوب مختلفة، جاعلًا إياه يتعرف إلى عادات وتقاليد وثقافات هذه الشعوب دون أن يبرح مكانه.

ولهذا يمكن اعتبار الكتاب ضمن خدمة توصيل كثير من دول العالم، بكل ما يتعلق بها أرضًا وشعبًا، إلى القارئ وهو فى منزله.

الكتاب يضم عددًا من الاستطلاعات التى نُشرت من قبل فى مجلة «العربى» الكويتية، وعنه يقول أبو اليزيد إن هذه الصفحات سيرة نهر على سفر، قد يكون مصدره شلالاً هادرًا، أو غيمًا ماطرًا، فلا يجمع موجاته سوى شغف بالرحلة، وعشق للحياة، وأمل فى مستقبل تذوب فيه الحدود الجغرافية المصطنعة التى شيدتها السياسة دون أن تفلح فى إقامة حدود قسرية بين الأفئدة التى استقبلت صاحب هذه السطور فى الشرق والغرب.

أبو اليزيد يقول إن المرء حين يسافر لا يكتشف البشر، ولا يستكشف الأمكنة، بل يعيد اكتشاف ذاته، ويكمل قائلًا: إن مفردات من معجم الابتسامات كانت تفتح له الأبواب المغلقة هنا وهناك، وتيسر مهمته فى التنقل بين النهر والبحر، بين الوادى والجبل، بين الواحة والصحراء، بين المدن الكوزموبوليتانية والقرى التى لم تمسها نار العولمة. فى استطلاعاته هذه حاول أبو اليزيد أن تجتاز الكلمات عتبات المكرور، سعيًا إلى توثيق العمارة التى يُعدّها شاهدًا على الحياة، لأنها تكشف ما يحاول الإنسان أن يخفيه، فى بيوت العبادة، ومنازل السكن، ومراتع اللهو، ومرابع العمل، وقلاع الدفاع عن الأوطان. وفى نهاية مقدمته يقول أبو اليزيد إنه ليس سوى عابر، وما هذه الصفحات سوى سيرة مسافر، وما المكان الخالد إلا صنيعة الإنسان المغادر، داعيًا القارئ لقراءة هذه الصفحات المتفرقات، مثلما يدعوه إلى كتابة الصفحات الخاصة به، فلن يبقى سواها.


فى كتابه هذا، وبقلمه وبعدسته، يطير بنا أبو اليزيد إلى قرطبة القلعة الحرة، إلى برلين الوردة البيضاء والعاصمة الموحدة، إلى مدينة بيشيليه المدينة العريقة التى ترقد فى الجنوب الإيطالى، إلى جمهورية تتارستان، إلى قرية بلغار الواقعة على نهر الفولجا، إلى جوانج جو عاصمة الثقافة الآسيوية، أوزبكستان، إلى شينج يانج الصينية، إلى كوستاريكا قصيدة الفردوس والبركان، ثم يختتم رحلته المكوكية هذه بالحديث عن فن المنمنمات.. الأدب والتاريخ والأسطورة. فى رحلته إلى المدن الهندية رأى أبو اليزيد صورة لجمال عبد الناصر مع صور لشخصيات عالمية أمام بوابة بومباى، وفى رحلاته الأخرى يصف لنا طبيعة البشر والجحر، ناقلًا لنا الكثير من عاداتهم وتقاليدهم التى ربما لم نسمع عنها من قبل، فى أسلوب سردى شائق وجميل، سواء استخدم عدسة الكاميرا أو عبّر بالقلم، جاعلًا القارئ يشعر كأنه كان يعرف هذه البلاد وهذه الشعوب حق المعرفة من عشرات السنين.

فى طريقه إلى قرطبة أدرك أبو اليزيد أنه دخل كتاب التاريخ العربى فى أوروبا، وكان يحلو له وهو يتابع اللافتات على الطريق أن يخمن نطق أسماء المناطق والمدن والقرى الصغيرة التى يمر بها، وأن يرد هذه الأسماء إلى أصولها العربية، قبل أن تحرفها السنون، وتحرق أطرافها الأحداث، وتغيّر مكامن الحميمية فيها حروف الأبجدية الجديدة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..