لماذا لم يستحِ عثمان من التمسُّك بالحكم ومال المسلمين؟

حمدى أبو جليل



 لماذا لم يستحِ عثمان من التمسُّك بالحكم ومال المسلمين؟



سيدنا عثمان بن عفان تقريبًا مجهول قبل إسلامه، لا يُعرف إلا نسبه، عثمان بن عفان بن العاص بن أمية، وحتى تاريخ ومكان مولده غير متفق عليهما، مثله فى ذلك مثل معظم صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فالإسلام جَب ما قبله من حياتهم ودينهم، وحتى أسمائهم نفسها، وتلك معجزته الكبرى فيهم، فهو نقلهم من النقيض إلى النقيض، وحوَّلهم من طور الناس البدائيين الذين بلغوا من الهمجية والتخلُّف أنهم كانوا يدخلون بيوت الناس دون أن يستأذنوا ويسلموا على أهلها، وإن قيل لهم ارجعوا لا يرجعون أبدًا، حتى نزل فى نصحهم بل توبيخهم قرآن «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ»، الذى طوّر الإنسان المتحضر القائد والفاتح والحكيم المدبّر لشؤون دولة مترامية الأطراف.


وسيدنا عثمان كان حيّيًا، ويروى أن الرسول قال إن الملائكة تستحى منه، وربما الشىء الوحيد الذى لم يستحِ منه وظنّه حقًّا إلهيًّا، هو إغداقه أموال بيت مال المسلمين على أقاربه وأصحابه، وإصراره على التمسُّك بالخلافة والحكم، حتى والمسلمون يحاصرونه فى بيته.


وهو كان تاجرًا ثريًّا، ورث تجارة عن والده ونمّاها، وكان كريمًا خصص بئرًا، وقيل آبارًا للمسلمين، وجهَّز جيش غزوة تبوك بكامله، والأهم بالنسبة إلى مكانته فى قريش قبل الإسلام أنه من بنى أمية، بيت السيادة فى قريش فى الجاهلية، ثم به وبعده وبسبب مقتله فى صدر الإسلام، وحتى أطرافه فى المغرب والأندلس قرون متعاقبة.

وسينا عثمان مثله مثل سادة قريش، لم يكن يصبر على النزال والحرب، ويروى أن اليهود فى بداية نقضهم لعهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا أو قُل هدَّدوا بأنهم ليسوا كقريش فى الحرب، وإن الرسول سيلتقى منهم فرسانًا فى منتهى القوة والبأس، وسيدنا عثمان تخلَّف عن عزوة بدر، أول مواجهة مع أهله وعشيرته الأقربين، تحجج بأن زوجته مريضة وبقى آمنًا فى المدينة، بينما والدها رسول الله نفسه مُهدَّد بالقتل على بعد كيلومترات قليلة عند بئر بدر، وفى غزوة أُحد فرّ سيدنا عثمان من أرض المعركة، تولّى يوم الزحف والنزال، ولم يكن ضمن الصحابة الذين التفوا حول رسول الله يومها، ويُقال إن الآية الكريمة «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» نزلت فى سيدنا عثمان وغيره من المسلمين الفارين يوم «أُحد».


غير أن شدة البأس فى الحرب والشجاعة فى المبارزة والنزال لم تكن ضمن شروط السيادة والمهابة والحكم فى قريش الجاهلية، بل ربما لم تكن لائقة بالسيد القرشى الذى يترفع لشباب قريش ورجال بيوتاتها الأقل شأنًا، ليتفرغ لمهام الحكم وسياساته، وقائدهم أبو سفيان بن حرب تقريبًا فرّ من مواجهة جيش المسلمين قبل «بدر»، واتخذ طريقًا آخر بدلاً من أن يعسكر ويستدعى المدد من مكة كأى قائد شجاع، وهذا لم يؤخذ عليه بل اعتُبر حنكة ودهاء سياسيين بل ونصرًا له بين القرشيين، ومن هنا لم يوافق معاوية بن أبى سفيان وربما لم يفهم أساسًا تحدّى سيدنا علِى بن أبى طالب الشهير له حينما قال ما يعنى «انزل بارزنى، رجلاً لرجل، لنحقن دماء المسلمين» يوم التقى جيشاهما فى موقعة «صفين»، فالسيد القرشى ليس فارسًا مغوارًا وإنما سياسى حكيم وتاجر ثرى فى أغلب الأحوال.


لذلك، فإن كون سيدنا عثمان لم يكن فارسًا ولا مغوارًا ولا حتى حاضرًا الحرب نفسها، لم يمنع الرسول، صلى الله عليه وسلم، من أن يسهم له من غنائم غزوة بدر، وأن يختياره فى ما بعد للتفاوض مع قريش فى المواجهة الخطيرة التى بايع أصحابه على الموت فيها، والتى انتهت بصلح الحديبية، بل إنه لم يجد أليق من سيدنا عثمان للقيام بعذه المهمة، فهو من ناحية من بيت الحكام القرشيين الذين سيتفاوض معهم، وبالتالى هو أقرب صحابة رسول الله وأكثرهم مقدرة على التفاوض، كما أنه الآمن من البطش المتوقع به لو غدرت قريش، وفى النهاية هو التاجر الثرى الذى تعودت قريش على حكمه وطاعته وتقديمه بينها على مدى التاريخ.


وسيدنا عثمان بن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، «داير»، كما يقول البدو والقبليون عمومًا، يلتقى معه فى جدهم «عبد مناف»، ولكنه يقترب أكثر مع رسول الله فى أُمّه أروى بنت كريز، فأمها -أى جدّة عثمان- البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمّة النبى، ولو أن سيدنا عثمان أنجب ولدًا من «نوريه» السيدة رقية والسيدة أم كلثوم ابنتَى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما أنجبت أختهما السيدة فاطمة «الحسن والحسين» من سيدنا علِى، لكان للتاريخ الإسلامى بل للدين الإسلامى شأن آخر، ولكنهما رحلا عنه دون أن ينجبا، ويروى أن الرسول قال «لو عندى ثالثة لزوّجتها عثمان».


ويروى فى إسلام سيدنا عثمان أنه عاد من الشام ذات سفرة من سفراته التجارية فسمع بالدعوة الجديدة التى كان يدعوها رسول الله سرًّا فى مكة، فآمن بها، ويُقال إن خالته الكاهنة سعدى هى التى أقنعته، ويُقال أيضًا إنه عرف الدعوة وهو عائد من الشام مع زميله فى التجارة والثراء والإسلام طبعًا، طلحة بن عبيد الله، وكان سيدنا عثمان أحد العشرة، والرابع من الرجال الذين سبقوا إلى الإسلام، وكان إسلامه قبل أن يستقر الرسول، صلى الله عليه وسلم، فى دار «الأرقم بن أبى الأرقم».


ومنذ إسلامه التزم رسول الله، ويُقال إن إن أمَّه كريز رفضت إسلامه وقاطعته فترة، وإن عمَّه الحكم بن العاص عذّبه وكتّفه ومنع عنه الماء والطعام، وإن كان هذا لا يتناسب مع ثرائه ومكانته فى بيت الحكم فى قريش، وهاجر إلى الحبشة بأمر من رسول الله مرَّتَين، ثم هاجر إلى المدينة المنورة، وكان ضمن النخبة المقربة من رسول الله حتى رحل، وبعده التزم الشيخين ناصحًا ومشيرًا حتى بويع بالخلافة.



أقرأ أيضا