أحزان الزمن الأمريكى

محمد صلاح غازى



 أحزان الزمن الأمريكى



يشكل الكتاب «أحزان الإمبراطورية.. النزعة العسكرية والسرية ونهاية الجمهورية» للبروفيسور تشالمرز جونسون، والذى نقله إلى العربية صلاح عويس، والصادر مؤخرًا عن المركز القومى للترجمة، الجزء الثانى من ثلاثيته، فالأول كان بعنوان «نفقات وعواقب الإمبراطورية الأمريكية»، والجزء الثالث عن الأيام الأخيرة للجمهورية.


ويتعلّق الإصرار على عسكرة الفضاء الخارجى والهيمنة على الكون بوضع محطات قتالية فى مدار حول الأرض وتسليحها بأنساق من الأسلحة تتضمن أشعة ليزر ذات طاقة عالية يمكن توجيهها نحو أى هدف على الأرض أو ضد أقمار اصطناعية تابعة لدول أخرى.

ويتعلل بيان سياسة قيادة الفضاء المسمى رؤية لعام 2020 بأن عولمة الاقتصاد الدولى سوف تستمر مع اتساع الفجوة بين مَن يملكون ومَن لا يملكون، ولذلك فإن مهمة البنتاجون هى «السيطرة على الأبعاد الفضائية للعمليات العسكرية لحماية مصالح الولايات واستثماراتها» فى عالم مناهض لأمريكا تتزايد خطورته دون قيد.

ويجب أن يكون أحد أهداف السياسة الحاسمة هو «حرمان الدول الأخرى من الوصول إلى الفضاء».


ويرى المؤلف أن افتقار الإمبراطورية الأمريكية الشرعية فى الحرب على العراق أدّى إلى الانتقاص من موقفنا فى ما سماها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع «أوروبا العجوز»، قاصدًا الحط من قدرها، ولهذا فنحن نحاول التعويض بالحصول على حلفاء وبناء القواعد فى البلاد الشيوعية السابقة الأكثر فقرًا فى أوروبا الشرقية.

وفى المناطق الغنية بالنفط فى جنوب أوراسيا نبنى مخافر أمامية فى كوسوفو والعراق وأفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى، فى محاولة لإخضاع المنطقة بأسرها للسيطرة السياسية الأمريكية.


ونحن لم نفعل ذلك من أجل محاربة الإرهاب، أو تحرير العراق، أو إطلاق فحوى نظرية الدومينو من أجل مقرطة منطقة الشرق الأوسط، لقد فعلنا ذلك من أجل النفط، وإسرائيل، والسياسات الداخلية، وإنجاز قدرنا الذى نفهمه ذاتيًّا على أنه إمبراطورية روما الجديدة.


لقد تراكمت أحزان الإمبراطورية الرومانية على مدى مئات السنين ولكن الإمبراطورية الأمريكية سوف تصاب بأربعة أحزان، أولها أنه سوف تكون هناك دولة حروب متواصلة تؤدى إلى مزيد من الإرهاب ضد الأمريكيين أينما كانوا، وإلى اعتماد متنام على أسلحة الدمار الشامل بين دول أصغر فى محاولتها لدرء القوة الإمبراطورية الماحقة.

وثانى الأحزان أنه سوف تكون هناك خسارة للديمقراطية والحقوق الدستورية، حيث إن رئاسة الجمهورية سوف تخسف الكونجرس تمامًا، وتكون هى نفسها قد تحولت من «فرع تنفيذى» للحكومة إلى شىء أقرب إلى رئاسة معسكرة كالبنتاجون.

وثالثًا: سوف تتزايد الاستعاضة عن مبدأ الإخلاص والصدق الممزق بالفعل بمنظومة من البروباجندا، والتضليل الإعلامى، وتمجيد الحرب والقوة والجحافل العسكرية.

ورابعًا وأخيرًا سوف تحدث حالة إفلاس نظرًا لأننا نغدق مواردنا الاقتصادية على مزيد من المشروعات العسكرية التى تتسم بالفخامة والعظمة مع إبقاء الفتات للتعليم والرعاية الصحية وسلامة المواطنين الأمريكيين.


وإذا كان احتمال الحرب المستمرة يهدد العالم فليس من المرجح أن يكون الموقف فى الولايات المتحدة أفضل، فالنزعة العسكرية والإمبراطورية تهدد الحكومة الديمقراطية فى أمريكا مثلما تهدد دولاً أخرى مستقلة وذات سيادة.

ويرى المؤلف أن هناك تطورًا واحدًا يمكن تصور أنه يستطيع وقف عملية التوسُّع هذه وهو أن يستطيع الشعب السيطرة على الكونجرس وإصلاحه مع إصلاح قوانين الانتخاب الفاسدة التى جعلت منه منتدى للمصالح الخاصة، وتحويله إلى جمعية أصيلة للنواب يؤمنون بالديمقراطية، ومنع تدفق الأموال على البنتاجون ووكالة الاستخبارات السرية والتغلب على المصالح الراسخة للمجمع العسكرى- الصناعى الأمريكى.


وفى الخاتمة.. وحتى ذلك الموعد المتأخر يصعب أن نتخيل كيف يمكن إعادة الحياة إلى الكونجرس وتطهيره من فساده المتوطن بالضبط مثلما فعل مجلس الشيوخ الرومانى فى أيام الجمهورية الأخيرة.

وإذا فشلنا فى مثل هذا الإصلاح، فإن نميسيس ربّة القصاص والانتقام التى تعاقب العجرفة والغرور سوف تتحرق شوقًا إلى لقائنا.



أقرأ أيضا

فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...