قبور راقدة فى كآبة الشعب الإنجليزى

أماني خليل



قبور راقدة فى كآبة الشعب الإنجليزى



عن المركز القومى للترجمة صدرت المجموعه القصصية «أثر على الحائط» للكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف، المجموعة مكونة من قصص مختارة من مجموعتين قصصيتين لفرجينيا وولف وهما «الإثنين أو الثلاثاء» 1919 ومجموعة «بيت مسكون بالأشباح» 1944، والتى أخذت المجموعة الصادرة عن القومى للترجمة اسمها منها.


المجموعة يظهر فيها أسلوب فرجينيا وولف، من حيث الكتابة بأسلوب التداعى الحر وتيار الوعى، والمونولوج الداخلى، وارتباك الضمائر، واختلاط الواقعى مع الفانتازى.


القصة الرئيسية فى المجموعة هى «علامة على الحائط» وتبصر فيها البطلة أثرا على جدار فى منتصف الشتاء، فتحاول تخمين كنهه، وسبب وجوده وتذهب فى رحلة داخل ذهنها عن حياتها والعالم وشكل المجتمع الإنجليزى الطبقى الذى تحيا به. تقول: «فى بعض درجات الضوء، بدت تلك العلامة على الحائط بالفعل تبرز من الحائط، لم تكن مستديرة تمامًا، لا أقدر أن أتأكد، لكن يبدو أنها ترمى ظلالاً محسوسة، تشى بأننى لو مررت أصبعى على تلك الشريحة من الحائط، فإنه عند نقطة معينة، سوف يعلو ثم ينخفض، فوق كومة صغيرة من التراب، كومة ناعمة مثل تلك الأكوام الترابية، فى المنحدرات الجنوبية ساوث داونز، التى هى كما يقولون إما عبور أو معسكرات، من بين الاثنين سأفضل أن تكون قبورًا، راغبة فى الكآبة مثل معظم الشعب الإنجليزى».


قصة «بيت من الأشباح» تحكى عن زوج وزوجة يعيشان فى أحد البيوت ويراقبها كائنان شبحيان يمارسان التلصص على حياة الزوجين، يقوم الكائنان الشبحيان بفتح وغلق الأبواب والنوافذ، اللعب بالفاكهة التجول فى الغرف، لا تفصح  «وولف» بشكل مباشر هل هذه الكائنات الشبحية أشباح حقيقية، أما هما الزوج والزوجة فى حياة أخرى، أم أن البيت يعيش فيه أربعة أشباح، لا تسقط القصة فى فخ التلغيز والإيهام ليبقى القارئ سجين تساؤلاته، لا تحاول اللعب على فكرة إخافة القارئ ومحاولة حبس أنفاسه، لكن القصة تحمل طاقة شعرية هائلة فى وصف الطبيعة نفسها المحيطة بالبيت، الأشجار، وجدول للمياه، الرياح، الشموع، اليمام، تبدو جميع الموجودات أطراف فاعلة متورطة فى المشهد السردى، تصف وولف مشهدًا لهذا التلصص فتقول: «الرياح تزأر عاليًا فى الطريق المشجر، الأشجار تتقوس، وتحنى ظهورها، يمينًا ويسارًا أشعة القمر، تنتثر، تسكب ضوءها بوحشية، بين زخات المطر، لكن أشعة المصباح تسقط مباشرة من النافذة، والشمعة بثبات وحسم تحترق، بينما الشبحان يجولان، فى البيت، ويفتحان النوافذ، يتهامسان لكى لا يوقظانا، يبحث الشبحان عن بهجتهما الخاصة».


قصة الفستان الجديد تدور حول سيدة «مايبيل» وامرأة هى من الطبقة الراقية تصنع لها سيدة فقيرة فستانًا أصفر قبيح الشكل ولا يعجبها، تعانى السيدة من عذابات نفسية نتيجة لإحساسها بالقبح وتعانى السيدة الفقيرة حيث ترغب أن ترتقى إلى طبقة أخرى من خلال حياكة هذا الفستان، قصة الفستان الجديد ترصد التفاوت الطبقى فى المجتمع الإنجليزى، تقول وولف: «لم تجرؤ على النظر إلى المرآة لم تستطع أن تواجه هذا الرعب الكامل - الفستان الحريرى البشع ذو اللون الأصفر الباهت، وموديله العتيق الأبله وتنورته الطويلة، أكمامه العالية المنفوشة وصدره وخصره، كل تلك الأشياء كانت فاتنة جدًّا فى كتالوج الموضة، ولكن ليس على جسدها الآن بالأخص ليس بين هؤلاء الناس العاديين شعرت بنفسها كأنها دمية طرزى، تنتصب واقفة هناك، لكى يغُز فيها الشباب دبابيسهم».


كتبت وولف أدبا حداثيا متجاوزا زمنه من حيث الأسلوب واللغة وأنسنت الأشياء وتحدثت أيضا بلسان الجمادات، وجعلت للبيت نبضًا حيًّا وجعلت الرياح تتكلم، تحدثت بلسان «طائر الليل الحزين» ورصدت الكون من خلال ناظريه فى قصة الإثنين والثلاثاء.


المجموعة مكونة من ست عشرة قصة، المجموعة بترجمة مبدعة لفاطمة ناعوت.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..