متى تلجأ أجهزة الدولة إلى «حكم الفيديو»؟

كريم البكرى



متى تلجأ أجهزة الدولة إلى «حكم الفيديو»؟



ضربة جزاء أم ركلة حرة مباشرة؟ هدف أم تسلل؟ تستحق الطرد أم الإنذار يكفى؟ هكذا يتساءل المشاهدون فى أثناء مشاهدة مباريات كأس العالم، والحل دائما يكمن فى تقنية الفيديو، وغالبا لا يخجل الحكام من العودة لحكم الفيديو الذى قد يؤيد قرارهم أو يرفضه.

99.3% نسبة دقة قرارات الحكم بعد اللجوء لتقنية الفيديو، وذلك حسبما أفادت الفيفا فى مؤتمرها الصحفى عن دور المجموعات بالمونديال، تلك النسبة التى تقارب الكمال لم ترض الجميع، فالبعض هاجم التقنية لأنها تقلل من متعة كرة القدم، ولكنها حتما تستهدف العدل.
المونديال كشف النقاب عن أشياء كثيرة نفتقدها فى مصرنا، بداية من التنظيم الجيد والاستعدادات المنضبطة المدروسة للبطولة الأشهر عالميا، مرورا بكواليس المعسكر المصرى التى شهدت لغطا شديدا بشأن دعوة وفد الإعلاميين والفنانين للإقامة بنفس فندق المنتخب فضلا عن السماح لفضائيات بالتصوير والتسجيل مع اللاعبين فى أثناء المعسكر، وصولا للأداء الباهت الذى قدمه اللاعبون فى مبارياتهم الثلاث، حتى عادوا للقاهرة بلا نقاط أو انتصارات أو ثمة أداء مشرف يُسعد الملايين الذين يشتاقون لأى بهجة تزيل جزءا من أعباء الحياة، حتى لو بشكل مؤقت.
المونديال أوحى لنا بالعديد من التجارب الناجحة، مثل تجربة منتخب المغرب الذى ودع البطولة مرفوع الرأس بعد معارك حامية مع إسبانيا والبرتغال، ومنتخب أيسلندا الذى كتب التاريخ فى ظهوره المونديالى الأول، تلك الدولة التى كان فريقها خصما عنيدا للتانجو الأرجنتينى، رغم أن لاعبيه أتقنوا مهنا ذات قيمة كبيرة فى المجتمع غير كرة القدم وعلى رأسهم ألفريد هالدورسون الذى تصدى لركلة جزاء ليونيل ميسى كان يعمل «مخرجا» واحترف كرة القدم منذ 5 سنوات، ويعمل كارى أرانسون قلب دفاع أيسلندا كـ«عازف موسيقى»، ولاعب خط الوسط جيلفى سيجوردسون يعمل فى مجال العقارات، أما المدرب هيمير هالجريمسون فهو فى الأصل «طبيب أسنان» وسبق له أن درب 3 أندية للسيدات ونادى للرجال ثم تولى مهمة تدريب منتخب أيسلندا.
للأسف كُتِب علينا الانبهار فقط لا غير، ننظر للآخرين وننبهر، لا نتعلم من تجاربهم ونحاول تطبيقها، ولا نستطيع السير على خطاهم أو اللحاق بهم، للأسف كُتِب علينا البقاء ضمن العالم الثالث، وربما قد يكون ذلك بسبب عدم اللجوء إلى حكم الفيديو.
فى الواقع كل أجهزة الدولة المصرية فى حاجة إلى حكم فيديو ترجع له بعدما تتخذ قراراتها، تتساءل عن مدى نجاحها أو فشلها، تقف على جدوى هذه القرارات وصداها، تنشغل بتحقيق العدل لا تقديم المتعة أو الاستفادة فقط.
هل ينظر وزير الشباب والرياضة واتحاد كرة القدم لتقنية الفيديو ويبحثون قراراتهم بشأن المنتخب وجهازه الفنى ومعسكرات الإعداد؟ أم سيكتفون برفض النقد وترسيخ سياسة «احمدوا ربنا إننا صعدنا»؟
وبغض النظر عن المجال الرياضى، فبقية القطاعات بحاجة أيضا لحكام الفيديو، فعلى سبيل المثال لا الحصر أعلنت وزارة النقل فى 10 مايو الماضى التعريفة الجديدة لمترو الأنفاق، والتى جاءت لإنقاذ المرفق من الخسائر -حسب تصريحات وزير النقل آنذاك- وتطوير المحطات التى لم تعد صالحة للاستعمال الآن، وبالطبع حدثت طفرة كبيرة فى ثمن تذكرة المترو من المنطقى أن تتبعها طفرة فى إيراداته، فوفقا لتصريحات سابقة من المهندس على فضالى رئيس الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق، بلغ حجم الإيرادات التى حققها المرفق منذ قرار وزير النقل بتحريك سعر التذكرة إلى جنيهين بدلا من جنيه واحد نحو 2.5 إلى 3.5 مليون جنيه يوميا، أى ما يقارب المليار جنيه شهريا، ومع سعر التذكرة الجديد الذى يعتبر متوسطها 5 جنيهات للفرد، من المفترض أن ترتفع إيرادات المترو لتسجل 5 مليارات شهريا، وبالطبع تلك الزيادة يوازيها زيادة فى أسعار الكهرباء ولكن حتما الزيادة فى إيرادات المترو أعلى.
للأسف المواطن يدفع ضريبة الزيادة فى أسعار الكهرباء على فاتورة منزله واستخدامه الشخصى، مثلما يتحمل تلك الزيادة فى قطاع مترو الأنفاق، والسؤال هنا: هل التمس المواطن تحسنا ملحوظا طيلة الشهرين الماضيين بعدما زادت سعر تذكرة المترو أكثر من 300%؟ أليس واجبا على الدولة أن تلجأ لحكم الفيديو وتنظر ماذا حققت جراء تلك الطفرة الصادمة فى سعر تذكرة المترو؟
الحكومة تمضى قدما فى طريق رفع الدعم، وترفع شعار «لا مفر من هذه الإجراءات.. لابد أن نتحمل»، وما هذا الشعار إلا محض تبرير لسياسة اقتصادية متخبطة أغرقت الدولة فى بحور من الديون والمشكلات الاقتصادية المتكررة مثل التضخم وانخفاض سعر العملة، وبالتبعية ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وهذا هو العام الرابع لخطة رفع أسعار الطاقة «محروقات - كهرباء»، عانى المواطن خلالها أشد أنواع المعاناة التى لم تفلح فى حث الحكومة على وضع خطة لهيكلة الدعم وتقديمه لمستحقيه.
فى هذا الصدد أوضحت دراسة قام بها أحد باحثى البنك الدولى فى 2014 أن القطاع العائلى لا يستفيد سوى بخُمس مبلغ الدعم الذى تنفقه الحكومة على المحروقات والكهرباء، بينما الأربعة أخماس الأخرى تذهب إلى العملاء الكبار، والذين يمتلكون أساطيل من الأوتوبيسات السياحية والمصانع الكبرى، فهل يصح أن ينعم الأغنياء وكبار رجال الأعمال بالدعم الذى يفتقده المواطن المصرى المطحون؟! ألا يجب على متخذى القرار أن يعودوا إلى حكم الفيديو ويصححوا خطأهم؟
لذلك يجب أن تعلن الحكومة عن حجم الدعم الذى يتلقاه المنتجون قطاعا بقطاع، ويصحب ذلك نقاشا عاما حول القطاعات الأولى بالدعم، من أجل تحقيق الأهداف التنموية، ثم تحديد حجم الدعم الذى ينبغى أن تحصل عليه تلك القطاعات، بما يتناسب مع حجمها وتأثيرها والاستفادة منها، حينئذ ستنخفض فاتورة دعم الطاقة من دون أن نكبد المستهلكين الأفراد ارتفاعات كبيرة فى الأسعار.
ومن الطبيعى جراء الإجراءات الاقتصادية المتخبطة، أن تسجل موازنة مصر لعام 2018-2019 زيادة فى فوائد الديون الحكومية والمقدرة بـ«541 مليار جنيه»، كما تتجاهل الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بتخصيص حد أدنى قيمته 10% للإنفاق على التعليم والبحث العلمى والصحة رغم زيادة نسبة الإنفاق الحكومى خلال السنة المالية القادمة عن موازنة العام الماضى بـ8.6 مليار جنيه للتعليم و7 مليارات جنيه للصحة، ولكن الدستور المصرى الذى تم إقراره عام 2014 قد نص صراحة على التزام الدولة بتخصيص نسب من الإنفاق الحكومى لا تقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالى للصحة فى «المادة 18»، وتخصيص نسبة لا تقل عن 4% من الناتج القومى للتعليم فى «المادة 19»، وتخصيص نسبة لا تقل عن 2% من الناتج القومى للتعليم الجامعى «المادة 21»، وتخصيص نسبة لا تقل عن 1% من الناتج القومى للبحث العلمى.
أليس واجبا على الدولة وأجهزتها أن تعود لحكم الفيديو وتعيد تقييم وتقسيم موازنتها وتحقق الاستحقاقات الدستورية المطلوبة منها؟ ولكن بكل أسف الدولة تفتقد ذلك الحكم، فهى تسير فى طريق واحد وتصم آذانها عن صرخات المواطنين وانتقادات المعارضين، فضلا عن عدم وضوح دور مساعدى الرئيس ومستشاريه، والمجالس الاستشارية الخاصة بالرئاسة مثل المجلس العلمى والمجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب، ومن ثم تصبح دولة الصوت الواحد والرأى الواحد والطريق الواحد، والذى حتما لم ولن يصب فى مصلحة المواطن.
ومن المؤسف حاليا أن تستمر الحكومة فى طريقها لحجب المواقع الإلكترونية دون أى سند قضائى، فأخيرا تم حجب موقع «كاتب» الذى أطلقه الكاتب الصحفى خالد البلشى بالتعاون مع الشبكة العربية لحقوق الإنسان، والذى تم حجبه عقب 9 ساعات فقط من إطلاقه.
الصحافة هى مؤشر من مؤشرات الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان فى العِلم والمعرفة، والتاريخ يشهد لها بكشف وقائع فساد عديدة مثل أزمة المحاصيل المسرطنة وغيرها، لا يصح أن يكن العالم احتراما لآرء النقاد وتحركات الصحفيين، بينما تتحرك أجهزة الدولة ضدها بأسلحة التدخل والحجب والمنع.
هروب الدولة من أوجه النقد والصحفيين، أمر لن يصب فى مصلحة الوطن أو إرساء قواعد للديمقراطية الحقة التى نتطلع إليها، فالنقد هو حكم الفيديو الذى يجب أن تعود له أجهزة الدولة، وتعطيه مساحة حتى يعبر عن رأيه وتحترمه وتبحثه وتنفذه إذا لم يجانبه الصواب.
والسؤال إذن: متى تلجأ الدولة لحكم الفيديو؟ متى تطلب مساعدة المتخصصين وتحترم رؤية الاستشاريين؟ ومتى تتمرد أجهزة الدولة على الأصوات المنافقة التى لا يمكنها المشاركة فى بناء الوطن الذى نتطلع إليه؟
الخطأ ليس عيبا، ولكن الاستمرار فى الخطأ هو العيب ذاته، ومحاولة الالتفاف على الخطأ واعتباره «ضرورة لابد منها» أو «دواء مُر يجب تحمله» هو الكذب بعينه، والأوطان لا تُبنى بالتعنت أو الكذب، ولكنها تُبنى بالديمقراطية والحرية والبحث العلمى ونقل التجارب السابقة.



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...