غسيل أساطير التاريخ الإسلامى!

عصام الزهيري



غسيل أساطير التاريخ الإسلامى!



تشبه أساطير الإسلام السياسى التاريخية المعمّدة بالدم عملية غسيل الأموال إلى حد بعيد، والمعروف فى هذه الأخيرة أنه ليقوم صاحب مال حصل عليه بطرق أو من مصادر غير مشروعة -أو كما نقول: مال حرام- إلى تزييف طرق أو تمويه مصادر الحصول عليه عبر عدة عمليات تداول وهمى تبدو كما لو كانت هى الطرق الصحيحة أو المصادر الأصلية التى تم الحصول من خلالها على هذا المال. أما فى الأولى -وهى بناء الأسطورة من خلال واقعة فى الماضى أو شخصية تاريخية- فيجرى بالمثل تمرير الواقعة بعدة عمليات غسيل و«تنظيف» تخفى المعالم الصادمة للسياق الذى اقتطعت منه، أو «تشطيف» الشخص الذى تجرى أسطرته -إن كان قائدًا عسكريًّا أو خليفة أو فقيهًا وخلافه- من التفاصيل والوقائع و«الزوائد» التى تمنع تضليل الأذهان عن حقيقتها الأصلية، وكلا الأمرَين يقصد من ورائهما رسم صورة ماضٍ مثالى ذهبى نقى لم يكن واقعًا فى حينه ولم يحدث قط فى أوانه، مع الإيهام بوجود شخصيات عاشت فيه بعد أن تخلَّصت من بشريتها ولم يكن لمواضعات عصرها وتقاليده التى سادت فيه -وتعد فى نظرنا اليوم مواضعات وتقاليد مرذولة ممقوتة- أى تأثير عليها. والأمثلة على آلية «غسيل الأساطير» الأصولية هذه بلا حصر ولا يسعها مقال، وجانب كبير من الجهد الذى ظل يبذله المجددون والتنويريون والنهضويون منذ مطلع القرن التاسع عشر كان ينصب بالأساس على رفع الغطاء عن حيلة الإيهام والتضليل تلك، لأنها تعد مكونًا أساسيًّا من مكونات عنصرية دينية قوامها اعتزاز لا نهائى بالذات وتعال لا محدود، ليس على بقية «البشر» فقط، ولكن على بشريتهم نفسها.

من الأمثلة المهمة التى يمكن أن نستشهد بها على ذلك كل ما يترتب من عصبية وسخط واتهامات على كل انتقاد يوجهه كاتب أو قائل لـ«شخصية إسلامية»، وهذا هو الوصف الذى نحب أن نصف به الشخصيات التى عاشت فى ماضينا التاريخى بنسبتها ليس إلى عصرها ولكن إلى الدين والعقيدة، فنقول مثلًا إن «صلاح الدين الأيوبى» هو قائد إسلامى، مع أن صلاح الدين نفسه لم يسعَ فى زمنه لأن يكون أكثر من «قائد أيوبى»، أى أنه رجل سعى إلى تأسيس إمبراطورية يورثها لأولاده، مثله مثل كل القادة العسكريين الذين عاشوا فى أيامه، وعندما نتحدث عن «القادة العسكريين» الذين عاشوا فى زمن «صلاح الدين» يجب أن نكون واعين للغاية بأن هؤلاء لم يكونوا يختلفون فى زمانهم عن هؤلاء الذين نعطيهم فى أيامنا لقب «أمراء الحرب»، يعنى ذلك أنهم ليسوا أكثر من مقاتلين محترفين وضعوا أنفسهم فى خدمة مقاتلين أكثر منهم سلطة واحترافًا وكانوا يتسمون «سلاطين»، وبعد فترات من الترقى فى خدمتهم ينتهى الأمر إلى تحولهم إلى سلاطين بدورهم، إما لأن السابقين رحلوا وإما بخيانتهم وقتلهم. وهكذا فعل صلاح الدين بسلطانه وأستاذه وأميره نور الدين زنكى -الملقب بالسلطان العادل- بعد أن وضع نفسه فى خدمته سنوات طويلة!
يحدثنا المؤرخ المصرى تقى الدين المقريزى، فى كتابه «السلوك فى معرفة دول الملوك» عن أن نور الدين: «مات فى يوم الأربعاء، حادى عشر شوال سنة 569هـ بعلة الخوانيق (الذبحة الصدرية غالبًا)، وكان قد تجهز لأخذ مصر من صلاح الدين يوسف بن أيوب»، وفى نفس السنة يحدثنا المقريزى عن أنه: «وصل إلى القاهرة» موفق الدين أبو البقاء، من عند السلطان العادل نور الدين، مطالبًا صلاح الدين بالحساب عن جميع ما أخذ من قصور الخلفاء»، والمقصود الخلفاء الفاطميين الذين أزال صلاح الدين ملكهم بالحيلة وسجنهم بعد أن كان وزيرًا لديهم.
والطريف أن المقريزى يذكر أن صلاح الدين بعد أن فوضه «العاضد» آخر الخلفاء الفاطميين فى الوزارة ونعته بالملك الناصر: «مشى الحال وبذل الأموال واستبعد الرجال وتاب عن الخمر فترك معاقرته وأعرض عن اللهو»! ويجسد المؤرخ شدة خوف صلاح الدين وأهله -الذين كانوا معه فى مصر وكلهم مثله من رجال السلطان نور الدين- من أن يدخل مصر ويتنزعهم منها، ومن عظم هَم السلطان بأمر مصر واستيائه ومخاوفه من استيلاء صلاح الدين عليها أرسل من الشام يستدعيه لكنه كان أمكر فاعتذر عن الذهاب إليه: «فعظم ذلك على نور الدين وعزم على دخول مصر وقلع صلاح الدين منها».
وفى موقف طريف آخر يتحدث المقريزى عن اندفاع عمر، وهو من أبناء إخوة صلاح الدين، الذى صرح فى محضر جمع من الناس عن ضرورة قتال نور الدين لصده عن مصر، فما كان من بعض أهله إلا أن وافقوه، ويقول المقريزى: «فسبهم نجم الدين أيوب -أبو صلاح الدين- وأنكر عليهم وكان ذا رأى ومكر، والتفت إلى ولده صلاح الدين، وقال: (والله لو رأيت أنا وخالك هذا السلطان نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له، ونقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا بضرب عنقك بالسيف لفعلنا)»! ثم إن نجم الدين -يقول المقريزى- خلا بابنه صلاح الدين وقال له: «أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما فى نفسك، فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم أموره وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم ترَ معك أحدًا من هذا العسكر وأسلموك إليه»!
تلك إذن كانت أجواء الخيانة والدسائس والمؤامرات السياسية التى عاش فيها صلاح الدين الأيوبى، بعد أن كان وزيرًا عند الفاطميين وتمّلك دولتهم بالقوة والحيلة لحساب نور الدين زنكى شرع فورًا فى تملّك دولة نور الدين لصالحه هو وأسرته بالحيلة والقوة معًا أيضًا، وهكذا كان نفس وضع نور الدين نفسه فى مقابل الخليفة العباسى «المستضىء» بعد أن حوَّل خلافته إلى خلافة شكلية وحكم هو دولته. فهل فعل صلاح الدين ذلك لأنه كان أكثر جهادًا من نور الدين المعروف بجهاده ضد الصليبيين أم أنه فعلها لصالح ملكه وأسرته التى قسّم إمبراطوريته بينهم قبل موته؟
وإذا انتقلنا بالحديث إلى الأوضاع الاجتماعية المتعلقة بالحرب أو بممارسة زنكى وصلاح الدين جهادهما، يواجهنا سؤال أصعب هو: لماذا لم يمارس القادة الإسلاميون جهادهم بعضهم ضد بعض بطريقة تختلف عن الجهاد الذى مارسوه ضد الصليبيين؟. يحدثنا المقريزى فى حوادث سنة 570هـ عن احتيال صلاح الدين فى غزو الشام، لبسط سيطرته على أملاك نور الدين بعد وفاته، وأنه: «أظهر أنه إنما جاء لتربية الصالح بن نور الدين وأنه ينوب عنه ويدبر دولته»! ونحن نعرف بالطبع عاقبة كل مَن سبق أن دبر صلاح الدين أمر دولهم، لكن الأمر لم يمر على عسكر نور الدين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للاستعانة بأعدائهم الصليبيين، عن ذلك يقول المقريزى: «واستعد أهل حلب وخرجوا لقتاله وقاتلوه قتالًا شديدًا إلى أول رجب، فرحل صلاح الدين يريد حمص، وقد بلغه مسير القومص ملك الإفرنج بطرابلس، بمكاتبة أهل حلب، وأنه منازل لحمص، فلما قرب من حمص عاد القومص لبلاده، فنازل صلاح الدين قلعتها ونصب المجانيق عليها إلى أن تسلمها بالأمان»!
وليست هذه بالطبع محاولة لشيطنة صلاح الدين كما يتهم فى العادة هؤلاء الذين يمارسون عملية غسيل أسطورته كرمز جهادى نقى ومنزّه وتبرئته ليس من ظروف عصره وأوضاع زمانه فحسب ولكن من بشريته كذلك، إنما هى محاولة لتعرية الأساطير والأوهام التى يراد لنا أن نعيش فيها بإبعادها عن سياقها البشرى الواقعى، وبنزعها من هذا السياق وإسباغ الأضواء والألوان عليها، مما يجعلها وثيقة إدانة أيديولوجية ليس ضد زماننا، بكل ما حققه من تقدم طبيعى عن أوضاع الأزمنة القديمة، وإنما ضد إنسانيتنا، حتى ليبدو لى أن أكثر الذين لم يصدقوا الأسطورة بشكلها المثالى ورضوا بأن ينقلوها بحذافيرها كما حدثت وبأوضاع عصرها وسياق زمانها -التى تبدو لنا اليوم كريهة ومنفرة- هم الدواعش!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.