أسباب فشل منظمات المجتمع المدنى

محمد صلاح غازى



أسباب فشل منظمات المجتمع المدنى



يقدم كتاب «إشكالية المجتمع المدنى العـربـى.. العصبة والسلطة والغرب» لمؤلفه صالح السنوسى والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، لمفهوم «المجتمع المدنى» منذ ظهوره داخل المجتمع اليونانى وارتباطه بوجود المدينة، وحديثًا فى تحديد الدور والوظيفة فى البناء السياسى والاقتصادى داخل الدول القومية.


نتج عن الاستعمار والتقسيم خلْق وقائع وأوضاع معقدة وربطها بمصالح فريدة وعصبوية تستطيع تقديم تبريرات معقولة ومنطقية لعقلانية العصبة السياسية، فقد قام الغرب بخلق هذه الوقائع بالقوة، ثم قدم لها جملة من مفاهيم حداثته السياسية، كالشعب والأمة والسيادة والدولة، ولهذا فقد أصبغت هذه المفاهيم على العشائر والطوائف والجهات، كما شجع الغرب المشائخ والزعامات المحلية ليحوزوا ألقاب الملوك والأمراء والرؤساء.


إن طبيعة العلاقة التى تتسم بالتناقض والشكوك – لعبت دورا سلبيا فى العلاقة بين منظمات المجتمع المدنى والغرب الذى شكل فى الوعى الجمعى العربى صورة المستعمر والمعتدى والمسيطر، الذى يرى فى كل مشروع نهضوى عربى الأطروحة المضادة لمصالحة الاستراتيجية والسياسية، وبالتالى فإن أى خطاب عربى يقدم الغرب فى صورة الحليف أو الصديق الذى يتبنى ويدعم أى مشروع لنهوض العرب سياسيا واقتصاديا وثقافيا – هو خطاب لا يجد مصداقية لدى هذه الشعوب، التى تدعمها، تجارب الماضى البعيد والواقع العينى المعاش، ولذا فمن الصعوبة إقناع المتلقى العربى بأن مشروع الولايات المتحدة لمقرطة العالم العربى عن طريق الغزو والاحتلال – كان حقًّا من أجل خلق إنسان عربى حر ديمقراطى.


لم تتحقق النتائج التى ربما كانت الولايات المتحدة تسعى إليها من خلال علاقتها بمنظمات المجتمع المدنى، كما أن هذه الأخيرة. أيضا لم تحصل على ما كانت تنتظره، لعدة اعتبارات كانت تمثل الأسباب الحقيقة التى تقف خلف هذا الفشل، ومنها: أولا – محاولة هذه المنظمات الاحتفاظ بمسافة بينها وبين إستراتيجية الولايات المتحدة والغرب عمومًا فى المنطقة العربية، فلا شك أن هذه المنظمات كانت فى أمس الحاجة إلى دعم ومؤازرة الغرب فى مواجهة حكام طغاة مستأسدين على مجتمعات بائسة ذليلة فاقدة لروح الفعل الجماعى.


ثانيًا: تزامن نشاط هذه المنظمات مع نزوع الولايات المتحدة نحو سياسة الغزو والاحتلال، فقد شهدت الفترة ما بين 2001 و2006 بروز هذه المنظمات والحركات، التى قامت خلالها بنشاط تميز بالجراءة، وتحدى الأنظمة السياسية بشكل غير مسبوق، ولكن لسوء حظ هذه المنظمات كان هذا النشاط مرتبطًا بمتغير آخر فى السياق الدولى، وهو المتمثل فى انفراد الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة فى النظام الدولى بعد تفكك الاتحاد السوفييتى، مما دفعها إلى محاولة فرض هيمنتها باستخدام تفوقها فى ميزان القوى لتعظيم مصالحها الاستراتيجية، فكان غزو واحتلال أفغانستان والعراق أول التمارين العملية على تطبيق هذه السياسة.


ثالثًا: سوء النموذج الديمقراطى الذى فرضته الولايات المتحدة فى العراق، فلم يكن هذا السوء متأتيًا فقط من أن النموذج كان ثمرة الغزو والاحتلال، بل متأتيا أيضًا من تطبيقاته، التى كانت عبارة عن تلاعب بالنسيج الداخلى للمجتمع العراقى لتحويله إلى ساحة للتناحر الطائفى والمذهبى والعرقى.


رابعًا: اعتماد هذه المنظمات على التمويل الغربى، فلم تكن هذه المنظمات والحركات تعانى فقط من غياب روح الفعل الجماعى فى المجتمعات التى تنشط داخلها، بل كانت تعانى أيضًا من أزمة عدم القدرة على التمويل الذاتى، فلم تستطع تعبئة مصادر تمويل داخلية.


فالدولة الشمولية هى المعادل السياسى للمجتمع التقليدى الذى لا تزال العلاقات الاجتماعية فيه تتمحور على مبدأ القرابة أو على مبدأ العصبة بالتعبير الخلدونى، لا على مبدأ المواطنة الذى قامت على أساسه المجتمعات الحديثة والدول الحديثة. كما تنبع من الواقع السياسى على الصعيد القطرى، وبالتجزئة على الصعيد القومى، وهو ما يعبر عنه بنقص الاندماج الوطنى والاجتماعى.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..