من تاريخ العناد بين السنَّة والشيعة

د. محمد فياض



من تاريخ العناد بين السنَّة والشيعة



كعادتها دائمًا، تأتى الأفكار الشعبية بكل جديد وبكل ما هو غير متوقَّع، تأتى تلك الممارسات لتعبر لنا عن ردة الفعل الشعبية العفوية جدا والعميقة جدا أيضًا.

وفى الحقيقة، فقد كانت الممارسات الشعبية الشيعية فى التاريخ الإسلامى بمنزلة كرنفالات ضخمة منها ما هو للفرح ومنها ما هو للحزن، وأمام كل هذه الاحتفالات لم يقف الجمهور السُّنى مكتوف اليدين، فلقد تفتقت أذهانه عن وسيلة هامة للنكاية والعناد الذى اتسمت به كل المواقف الشعبية بين الطرفين، فابتكروا ما عُرف بالطقوس المضادة، وكان ذلك تحديدًا فى زمن البويهيين فى القرن الرابع الهجرى، فحاولت الجماهير الشعبية من السُّنة إيجاد بديل لأعياد الشيعة آنذاك، كنوع من الانتصار الملتوى والنكاية، وكنوع أيضًا من المعارضة السياسية القوية والناعمة، والتى مارسها السُّنيون ضد البويهيين -حكامهم الشيعة- الذين وقفوا وراء كل احتفالات الشيعة ودعموها معنويا وماديا، هنا كان الذكاء الشعبى.

فالاحتفاليتان الأكثر أهمية لدى الشيعة، هما عيد الغدير، وهو المعبر عن أفراح الشيعة، والآخر عاشوراء، الموسم الأكثر حزنًا.

وأمام هذا ابتكر عوام أهل السنة، وفى مقابل هذين الموسمين، موسمًا للفرحة يقابل غدير خم، حيث قاموا بنصب زينة عظيمة وأفراح كثيرة، مثلما كان الشيعة يفعلون فى عيد غدير خم وكانت الاحتفالات تصل إلى ذروتها فى اليوم الثامن بعد احتفالات الغدير، وقالوا إن هذا اليوم يوافق دخول النبى -صلى الله عليه وسلم- وأبى بكر، الغار.

وفى مقابل يوم عاشوراء، مارسوا مثل تلك الكرنفالات الحزينة التى يمارسها الشيعة يوم عاشوراء، قائلين إن ذلك اليوم يوم مقتل مصعب بن الزبير، وتصل الاحتفالات إلى ذروتها فى اليوم الثامن.


إذن، فأبو بكر أمام علىّ بن أبى طالب فى الغدير، كأيقونتين شعبيتين متضادتين، ومصعب أمام الحسين فى عاشوراء فى حديث لم يخرج أبدًا عن العقد التاريخية القديمة التى لم يتخلص العوام منها أبدًا، فضلا عن استحضار الشخصيات التاريخية ذات الثقل الشعبى لدى الطرفين المتنافرَين دائمًا، فمصعب بن الزبير هو الذى قاد الحملة ضد حركة المختار بن أبى عبيد الله الثقفى فى الكوفة، وتمكن من القضاء عليه وقتل المختار بعد أن جعل للشيعة فى العراق شأنًا، وأخذ بثأر الحسين، وهنا تم الاحتفال بذكرى قاتل من أخذ الثأر فى يوم مقتل صاحب الثأر.


على أية حال، فقد استمر العمل بهذه الطقوس المضادة، بل وزاد الأمر بقيام عوامّ السُّنة بزيارة قبر مصعب بن الزبير فى عاشوراء؛ الأمر الذى كان يؤدى فى كثير من الأحيان إلى صدامات عدة كان ينجم عنها فى معظم الأحيان الكثير من القتلى والجرحى، حتى إن تلك الزيارات لم تخلُ من حمل الأسلحة، كإجراء احترازى عند وقوع أى صدامات بين الطرفين، وبالفعل كانت الصدامات تحدث والأسلحة تستخدم؛ لذا كانت الدولة العباسية تعمد إلى منع مثل هذه الزيارات نتيجة لما يقع فيها من قتال وصدامات بين الطرفين.


ولم تقف الأمور عند ذلك، فاستمرارًا فى حرب الرموز التى تمارسها العناصر الشعبية، وتحديدًا فى العام «386هـ/ 996م»، ادَّعى أهل البصرة من السنة أنهم كشفوا عن قبر عتيق، فوجدوا فيه ميتا طريا بثيابه وسيفه، وأنه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه وبنوا عليه بناءً جعلوه مشهدًا، وأوقفوا عليه الأوقاف ونقلوا إليه القناديل والآلات والحصر.

وحسب ابن بطوطة الذى زار ذلك الموضع، فإن مشهد الزبير بن العوام بخارج البصرة وله مسجد وزاوية فيها الطعام، وكذا مشهد لطلحة بن عبيد الله بالبصرة، وهو داخل المدينة وعليه قبة ومسجد وزاوية يقدم فيها الطعام للزائرين، وأهل البصرة يعظمونه تعظيما شديدا.


وهكذا وبدخول الزبير وطلحة فى ذلك السياق أيضًا، تكتمل العناصر التاريخية القديمة وتبرز للسطح العقد التاريخية لإسقاط ضحايا جدد.


ويعبر أحد الباحثين عن مثل هذه الممارسات، قائلا: «زادت الشقة بين الفريقين عن طريق هذه الأعمال، وزاد من وطأتها تلك الهالة من القداسة التى أضفاها كل طرف على المزارات والمشاهد الخاصة به، وزيادة فى إثارة الفتَن كان الفريقان يزيدان من نشاطهما الاستفزازى لبعضهما، بل ويلجآن إلى اكتشاف المزيد من الأضرحة المنسية وإقامة مهرجانات حولها، وكان واضحًا جدا أن المقصود ليس الطقوس والعبادة بل التحدى للآخر، وهذا بطبيعة الحال، يتلاءم مع تلك العقلية الساذجة التى كانت تدفع الأمور دائمًا نحو التصعيد والخلاف الدموى بين السُّنة والشيعة».


على أية حال، فلقد كانت هذه إحدى المحطات التى مر بها الفكر الشعبى المتصارع، ورغم أن ردة الفعل هذه من خلال الطقوس المضادة كانت سيئة، فإن ذلك ليس بمعزل عن دائرة الحدث الشعبية الشيعية، فالممارسات كلها تمضى فى تجاذب شعبى دائم بين الفعل وردة الفعل، وبين الاستفزازات الشعبية.

ونستطيع نحن من خلال مثل هذه التصرفات، الغوص فى العقلية والذهنية الحقيقية للعقول الشعبية، تلك العقول التى هُمِّشت على صفحات التاريخ بفعل فاعل، رغم كونها المحرك الأصلى لكل أحداث التاريخ.



أقرأ أيضا