لماذا الجنة أرضية وليست مائية؟




 لماذا الجنة أرضية وليست مائية؟



«لِمَ يا ترى تركز البشرية على تاريخها الأرضى من دون أن تبدى اهتماما كبيرا بتاريخها الساحلى والمائى؟ ما الدافع تجاه هذا التجاهل؟ وما الذى يفوتنا من تاريخنا وبالتالى من إمكانيات صنع مستقبلنا نتاج هذا التجاهل؟ لمَ الجنة أرضية فقط؟ أين هى الجنة المائية من الوعى الإنسانى؟».


بهذه التساؤلات يبدأ «جون آر غيليس» كتابه «الساحل البشرى» الصادر حديثا عن سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب – الكويت، ترجمة «ابتهال الخطيب».


فيستعيد الكتاب التجربة الساحلية منذ أصولها الأولى بين البشر الذين عاشوا على امتداد الساحل الإفريقى، وصولا إلى صخب وروعة المدن الضخمة والمنتجعات البحرية اليوم.


ويستعرض الكتاب الطبيعة الاجتماعية والثقافية للسواحل والكيفية التى أثرت بها وتأثرت من خلال هذه الجوانب الذهنية البعيدة عن علوم البيئة والآثار، وذلك من خلال علاقات الجذب والطرد بين الإنسان والسواحل والبيئات المائية، حيث بدأ الإنسان القديم حياته قربا من السواحل ليبتعد بعدها عنها متوغلا على اليابسة ومكونا علاقة سلبية شبه عدائية تجاه الساحل، ليعود مجددا بحنين إلى السواحل، عودة اقتصادية ترفيهية سياحية هذه المرة، عودة مدمرة للعيش «على» وليس «مع» الساحل.


يلقى الكتاب الضوء على مسألة الربط الإنسانى بين فكرة جنة عدن، كجنة أرضية تماما، وعلاقة الإنسان القديمة مع الأرض والساحل. وأن الأنظمة الفكرية والثيولوجية التى أتت لتؤكد «أرضية» الجنة قد أسهمت فى تثبيت الفكرة العدائية للسواحل عن أنها خطوط فاصلة بين أمان الأرض وتهديدات المياه.


ويتناول الكتاب تاريخا طويلا للتعامل الإنسانى مع مياه الأرض كلها على أنها «بحر كبير» وأن العالم بأكمله «جزيرة صغيرة» خالقا عوالم رعب غامضة فى أعماق المياه، حيث بدت الأعماق التى كان الإنسان يتجنبها دوما مفضلا الإيجار بالقرب من الساحل، أماكن تسكنها الشياطين والأرواح الشريرة، أماكن يقطعها الإنسان بخوف ليصل إلى بر الأمان إلى يابسة أخرى.


ويرصد الكتاب كذلك تاريخ إقامة الإنسان على السواحل، أنواع البيوت التى شيدها هناك، أنواع الحياة، التغذية، والأعمال التى وفرتها هذه البيئة الانتقالية.

إن الكيفية التى انتقلت بها السواحل من كونها أماكن كسب للقوت إلى أماكن دفاعية حربية حيث استخدمها الإنسان كواجهات قتالية لفترة طويلة وصولا إلى كونها أماكن اصطياف ترفيهية يعيش عليها الإنسان لحظات التأمل وأحلام اليقظة من دون أن ينتبه فعليا إلى حقيقتها أو تأثير اختياراته فيها.


كذلك يستعرض الكتاب علاقة الإنسان بالطحالب المائية، الأصداف، الأسماك، الحيتان، بالإضافة إلى الأعمال الأدبية التى أسهمت إما فى تشويه صورة الحيوانات المائية وخلق الأساطير المرعبة حولها أو فى تعزيز أهميتها ووعيها بمحيطها، مثل رواية «هيرمان ميلفيل» «الحوت الأبيض» التى حاولت تقديم الحوت على أنه ضحية للإنسان والتى استقبلت فى وقت نشرها أسوأ استقبال على أنها هلوسة أدبية لكاتب مجنون.


يدفع كتاب «الساحل البشرى» بذهنية القراء إلى آفاق جديدة مجبرا إيانا على إعادة النظر فى ما نعتقد أنه مسلمات، حيث يأخذ القراء فى رحلة طويلة وعميقة محاولا تبيين حقيقة التاريخ الإنسانى الأرضى المائى الذى يعتقد الكاتب أنه لا مستقبل واضح مضمونا من دون تبيانه وفهمه تماما.


الحقيقية رغم أن هذا الكتاب من حيث كونه كتابا تثقيفيا وشخصيا جدا، هو فى الواقع أكثر من مجرد تاريخ، إنه قصة نطاق لطالما كان ذا أهمية مركزية من حيث أمزجة، وخطط، ووجود هؤلاء الذين يعيشون ويحلمون عند أطراف اليابسة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..