تولية أبى بكر الصديق

طارق أبو السعد



 تولية أبى بكر الصديق



جاء فى الأخبار أن الرسول الكريم عندما لحق بالرفيق الأعلى، اختلف الصحابة فى ما بينهم على مَن يتولَّى أمر المسلمين من بعد الرسول الكريم، وكان من البديهى والطبيعى أن أهل المكان هم مَن يقودوا الأمر بعد الرسول، فهذا وطنهم وبلدهم، والرسول إنما كان يقود الحالة الدينية وترك الحالة السياسية الداخلية للأنصار أو تركها عشائريًّا، فالمهاجرون عليهم الرسول ذاته ورايته مع علِى بن أبى طالب، والأنصار رايتهم مع سعد بن عبادة.


فاجتمع المسلمون من الأنصار ليعطوا كلمتهم إلى مَن سيقودهم فى المستقبل، عَلِم الصحابى الجليل أبو بكر بهذا الاجتماع، وكذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فجدوا السعى نحو هذا الاجتماع.


فكان مما قيل فيه صحيح البخارى- البخارى ج 8 ص 25 على لسان سيدنا عمر بن الخطاب:
«… ثم إنه بلغنى أن قائلاً منكم يقول والله لو مات عمر بايعت فلانًا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبى بكر فلتة وتمت إلا وأنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم مَن تقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذى بايعه تغرة أن يقتلا.


وأنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم فى سقيفة بنى ساعدة، وخالف عنا علِى والزبير ومَن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار.


فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان، فذكرا ما تمالى عليه القوم، فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين، فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت والله لنأتينهم.


فانطلقنا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت مَن هذا، قالوا هذا سعد بن عبادة، فقلت ما له قالوا يوعك، فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله لما هو أهله، ثم قال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت زورت مقالة أعجبتنى أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر وكنت أدارى منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلَّم أبو بكر فكان هو أحلم منى وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتنى فى تزويرى إلا قال فى بديهته مثلها أو أفضل، حتى سكت، فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولم يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك من إثم أحب إلىّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلى نفسى عند الموت شيئًا لا أجده الآن.


فقال قائل الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت قتل الله سعد بن عبادة.


قال عمر وإنا والله ما وجدنا فى ما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبى بكر، خشينا أن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فسادٌ.


فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذى بايعه تغرة أن يقتلا».


هذا هو الخبر كما هو منقول فى البخارى.


نحن إذن أمام حقائق يعرضها سيدنا عمر، رضى الله عنه، يخبرنا بها فى لحظة صدق، إذ يقرر التالى:
أنها بيعة لم تكن بأمر الله ورسوله، أى لم يستند فى دعواه باستخلاص أدوات الحكم من الأنصار «أصحاب البلاد الأصليين» إلى آية قرآنية أو إلى وعد وعدهم إياه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، «بل رأى بشرى بحت».


أنها فلتة «ضربة حظ»، أى أن العوامل التى دفعت وأسهمت على استلام القرشيين الحكم وإبعاد الأنصار عنه بعد وفاة الرسول الكريم، لم تكون كافية بالنسبة إلى المهاجرين، بل الحجة التى قدمها الأنصار لتولى الحكم قوية وصادقة والعوامل التى تسوق الأحداث كانت فى صالح الأنصار «اليثربيين أصحاب البلاد»، إلا أن «الفلتة» أو ضربة الحظ كانت لصالح أبى بكر الصديق، لأن البيعة تمت وسط لغط كبير وتعالى أصوات ومناقشات لم تنتهِ، فصرخ عمر هاتفًا بالبيعة لأبى بكر، فانحاز الأوس إليه أولاً نكاية فى الخزرج.


لم يكن كل المهاجرين «القرشيين» يقبلون بأبى بكر الصديق قائدًا عامًّا باتفاق الجميع، بل وجهاء قريش وكبار الصحابة وأصحاب الحل والعقد، لم يكونوا يرغبون فيه بل فى علِى، رضى الله عنه.


خضع الأنصار «اليثربيون- الأوس والخزرج»، ووافقوا على أبى بكر فى لحظة فشل اندماجهم معًا، وانتصرت الأنانية والتشرذم على رؤية المصلحة العليا للمسلمين، وثار من مكمنة الحقد القبلى بين الأنصار بشقَّيها المكون لليثربيين «الخزرج».


قدم سيدنا أبو بكر الصديق خطابًا للمجتمعين، ليدفعهم إلى التنازل عن مطالبهم بالحكم، والامتثال إلى أحقيّة قريش فى الحكم، ليس استنادًا إلى التقوى أو التقرب إلى الله، وليس استنادًا إلى موعود إلهى لقريش بالحكم ولا إلى وصية من الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم، ولكنه استناد إلى مبدأ الديماجوجية، وهى التخوف من الإقدام على فعل ما لكون أن عواقبه ستكون وخيمة، فتأمَّل خطاب أبى بكر فى النقاط التالية:


لا يحق للأنصار أن يكون منهم قائد للمسلمين والعرب «لماذا؟».


هذا الأمر مقصور على قريش لأنهم أوسط الناس نسبًا «وهو الأمر الذى يناقض مبدأً قرآنيًّا مكث النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، فى محاولات ترسيخه فى المجتمع القبلى، وهو «أنه لا فضل لعربى على أعجمى ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى»، «الناس سواسية كأسنان المشط» «لا يأتينى الناس يوم القيامة بالأعمال وتأتونى بالأنساب».


أن العرب لن تقبل بالإسلام إلا من القرشيين كقادة للمسلمين.


تم الاتفاق على أن القرشيين هم الأمراء واليثربيين هم الوزراء.


يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل بيعة المسلمين «قرشيين ويثربيين» لأبى بكر القرشى جعلت العرب تدين لهم، أم تراهم نكثوا على عهودهم ورفضوا أبا بكر الصديق وقريشًا ذاتها؟ أليست الحروب التى قادها أبو بكر دليل على أن ما قدمه الصحابى الجليل لم يكن صحيحًا؟ فما المبرر إذن للحكم القرشى؟
ألم يحوّل أبو بكر الصديق طريق اختيار الولاية من الأسلم دينًا «الاحتكام فيها إلى الدين وقواعده» إلى عصبية قبلية يحتكَّم فيها الأفضل فى حكم المسلمين ليس بسبب دينه لكن بسبب نسبه وعصبيته؟
تُرى كيف كان سيكون حال المسلمين لو تولَّى سعد بن عبادة أمر المسلمين؟



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.