المهارة السياسية وليست المعجزة هى السبب فى نجاح الهجرة

أسماء العماوى



المهارة السياسية وليست المعجزة هى السبب فى نجاح الهجرة



لعل ما يستوقف قارئ السيرة النبوية فى ما يتعلق بهجرة النبى إلى يثرب، على وجه الخصوص، هو الطابع الأسطورى المُعجز الذى غُلفت به بعض القصص المتعلقة بهذا الشأن؛ كقصة نوم علِى بن أبى طالب فى فراش النبى كخداع استراتيجى -إذا جاز الوصف- لقريش الذين تآمروا على النبى طالبين قتله وتفريق دمه بين القبائل، وخروج النبى عليهم عند اجتماعهم على بابه دون أن يروه، على الرغم من وقوفهم مترصدين ومتربصين له! ثم قصة الغار الذى اختبأ النبى فيه هو وصاحبه أبو بكر، وما كان من شأن العنكبوت والحمامتين! فلنستعرض هذه القصص محاولين الكشف عن جوانبها التاريخية المتباينة -ربما- مع الجوانب ذات الطابع الأسطورى الإعجازى.

لما علمت قريش أن النبى سوف يأوى هو وأصحابه الذين آمنوا به إلى يثرب (المدينة)، خشوا أن يقوّى شوكته ويوطد سلطته ويكوّن جبهة تقف أمامهم بالمرصاد، تكون عداءً لهم، وتجتمع لحربهم، فاجتمعوا متآمرين يريدون النيل من محمد بمفرده، خصوصًا بعد هجرة معظم المسلمين سابقين إياه، ولم يتخلف معه بمكة إلا على بن أبى طالب وأبو بكر. اجتمعت قريش فى دار الندوة -وهى أول دار بُنيت فى مكة، وكانت منزل قصى بن كلاب ثم اتخذتها قريش مجلسًا للشورى، فكانت محل مشورتهم، لا يقطعون أمرًا إلا فيها- متشاورين فى أمر محمد، عامدين إلى التخلص منه، وبعد أن تشاوروا فى كيفية هذا الأمر، بين حبسه مقيدًا بالحديد حتى يموت، ونفيه من البلاد، اتفقوا على قتله بأيديهم، على أن يشارك فى هذا الأمر رجل من كل قبيلة؛ حتى يتفرق دمه بينهم، فيضيع ثأره بين القبائل.
تروى السيرة متتبعةً ذلك أن «جبريل» قد أتى النبى وأعلمه بما اتفقت عليه قريش، ولعل فى ذلك دلالة هامة، فحضور جبريل فى بداية الأمر سيُحيل إلى أن كل ما سيحدث بعد ذلك سيكون فى إطار المعجزة الخالية من أى نوازع وتصرفات بشرية، ومع ذلك فيبدو أن الأمر لم يخلُ تمامًا من الحضور الطاغى لشخصية النبى كقائد سياسى ورجل دولة من طراز رفيع، ولعل ذلك يبدو جليًّا من خلال تكوينه جبهة سرية استخباراتية تعاونه -مندسة- فى الاطلاع على أخبار قريش، وكان من هؤلاء «العباس بن عبد المطلب» الذى كان كافرًا فى الظاهر ومسلمًا فى الباطن، وكان صاحب استخبارات النبى فى مكة، وكان يخالط كفار قريش ويجالسهم، وكان مع ذلك له اتصال خفى بالنبى، ومن ثم فربما اطلع العباس على ما جرى فى اجتماع قريش، وأخبر النبى به حتى يتدبر أمره ويحتاط فى شأنه، فلما علم النبى، صلى الله عليه وسلم، ما همّت قريش به عامدةً إلى قتله، خرج متقنعًا (أى متخفيًا)، قاصدًا بيت أبى بكر، بنحو ما جاء فى السيرة الحلبية عن عائشة أنها قالت: «بينما نحن جلوس يومًا فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة، قال قائل لأبى بكر.. وفى رواية، قالت أسماء (أخت عائشة): يا أبتِ، هذا رسول الله متقنعا فى ساعة لم يأتنا فيها»، وإنما جاء قدوم النبى على أبى بكر فى ساعة لم يعتَد عليها، حتى قال أبو بكر نفسه: «ما جاء رسول الله هذه الساعة إلا لأمر حدث»؛ ليتدبر معه طريق النجاة والخروج من مكة، حتى طمأنه أبو بكر بإبلاغه أنه قد أعد راحلتين لذلك، وجلسا يتشاوران فى أمر الخروج، فما كان إلا أن اتفقا على الخروج ليلًا خشية أن يراهما أحد من كفار قريش «وهكذا مكث النبى فى بيت أبى بكر -كما جاء فى سيرة ابن هشام- بياض النهار، حتى إذا جاء الليل خرجا تحت جنح الظلام إلى جبل ثور»، كما استأجرا عبد الله بن أرقط، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، إلى جانب كونه دليلًا لطريقهما. ونستشف من هذه الروايات أن خروج النبى قد استبق قدوم قريش عليه، ما يتنافى ربما مع ما رُوى أنه خرج من بين ظهرانيهم دون أن يروه، واضعًا على رؤوسهم التراب!
كما تتجلى فطنة النبى ودهاؤه الشديد حينما جعل «علِى بن أبى طالب» ينام مكانه خداعًا لقريش، إذ لما خرج النبى إلى بيت أبى بكر، أعلم عليًّا بخروجه -بحسب ما أقر الحلبى فى سيرته- «وأمره أن ينام فى فراشه، وأن يتسجى ببُرده»، لإيهام قريش بأنه هو النائم، حتى يستطيع أن يدبر أمر الفرار -كما حصل مع أبى بكر- بنحو ما ذكرنا أعلاه.
أما ما يتعلق بقصة مكوث النبى وصاحبه فى الغار، فتروى السيرة أن النبى قد أقام به ثلاثة أيام، وكان عبد الله بن أبى بكر يأتيهما بأخبار قريش وما يقولون فى شأن النبى، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما ليلًا بطعامهما وشرابهما؛ ما يدل على أنهما (أى أسماء وعبد الله) كانا يترددان عليهما ذهابًا وإيابًا، ما يتعارض مع ما صنعته روايات أخرى فى إطار أسطورى بشأن العنكبوت، الذى نسج خيوطه على باب الغار، والحمامتين، إذ قال الحلبى فى سيرته: «بعث الله العنكبوت فنسجت ما بين فروعها نسجًا متراكمًا بعضه على بعض كنسيج أربع سنين»، «وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار ويروى أنهما باضتا وفرختا»، لأن وجود نسيج العنكبوت والحمامتين على باب الغار أمر يتنافى مع دخول كل من عبد الله وأسماء الغار لقضاء مهامهما المتعلقة إما بتبليغ أخبار قريش، وهى مهمة عبد الله، وإما تقديم الطعام والشراب، وهى مهمة أسماء.
ولئن جاءت قصة العنكبوت والحمامتين -بحسب السيرة- مجرد تمويه إلهى -إذا جاز الوصف- لقريش التى خرجت تفتش عن النبى، حتى أتت الغار فلما رأت العنكبوت ناسجًا خيوطه على بابه، والحمامتين راقدتين بجانبه، أيقنت استحالة وجود النبى بالغار، فإن اختيار النبى هذا الغار على وجه التحديد -مع الأخذ فى الحسبان ذكاء النبى ومهاراته- يُحيل إلى أن بحث قريش عن النبى سيكون بعيدًا تمامًا عن جبل ثور الواقع بأسفل مكة؛ وذلك لأنها تعلم أن النبى يريد الفرار إلى المدينة الكائنة فى شمال مكة، مدركةً أن الطريق إليها يكون من أعلى مكة لا من أسفلها، حيث مكان الغار، وهذا ما أدركه النبى بالفعل بدهائه.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.