فلسفة قانون تنظيم الصحافة والإعلام

حسام مؤنس



فلسفة قانون تنظيم الصحافة والإعلام



جاء نص قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد الذى وافق عليه مجلس النواب من حيث المبدأ وقرر إحالته لمجلس الدولة ليبدو متسقا تماما مع السياق العام الراهن فى ما يتعلق بأوضاع الصحافة والإعلام التى يجرى السيطرة والهيمنة الكاملة عليها على مدى السنوات الماضية، بدءا من نغمة الرغبة فى وجود إعلام موجه من السلطة، ومرورا بالدخول فى صفقات عدة لشراء قنوات ومواقع وصحف وتأسيس أخرى، فضلا عن استبعاد العديد من الوجوه الصحفية والإعلامية والتضييق على ما تبقى من صحف تتبنى خطا مستقلا عن السلطة وتوجهاتها وحجب العديد من المواقع الإلكترونية، ووصولا إلى تدشين مجالس يأتى دورها ليكون بمثابة الرقيب بأكثر من التنظيم، والسيطرة على الحياة النقابية، لتأتى الخطوة الأخيرة بتقنين كل تلك الأوضاع فعليا عبر هذا القانون وما سبقه أيضا من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الذى أقره مجلس النواب مطلع الشهر الجارى، فى استمرار لمساعى إغلاق المساحة الأخيرة المتاحة للتعبير عن الرأى دون قيود وهى مساحة مواقع التواصل الاجتماعى التى يأتى قانون تنظيم الصحافة والإعلام أيضا ليتوج تلك المساعى. 

مشروع القانون ورغم تقييده بنصوص دستورية جاءت فى دستور 2014 تحفظ الكثير من الحريات الصحفية والإعلامية، فإنه تلاعب فى كثير من مواده بتلك الحريات، بدءا من حرية تأسيس وإصدار وسائل صحفية وإعلامية جرى تقييدها بتحديد مبالغ مالية مرتفعة للغاية لأغلب تلك الوسائل، ثم باستعادة الحبس الاحتياطى فى جرائم النشر مجددا من باب خلفى عبر استخدام صيغة «التحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن فى أعراض الأفراد» فى المادة 29، وحتى تقييد حرية الصحفى فى ممارسة عمله من خلال إضافة شرط «الحصول على التصاريح اللازمة» فى المادة 12 ليتمكن من أداء دوره فى حضور المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة واللقاءات مع المواطنين والتصوير فى الأماكن العامة غير المحظور تصويرها، وهو المنطق الذى بدا واضحا فى القانون فى العديد من مواده التى تقيد باليسرى ما تعطيه باليمنى من حقوق، مثلما جرى كذلك فى المادة 10 التى تحظر فرض قيود تعوق توفير وإتاحة المعلومات ثم تشترط أن يكون ذلك «دون الإخلال بمقتضيات الأمن القومى والدفاع عن الوطن» ودون تعريفات واضحة لتلك المصطلحات ومفاهيمها بدقة، وهو ما تكرر فى عدد كبير من مواد القانون المقيدة التى تتناول مصطلحات مطاطة مثل حظر نشر أو بث ما يخالف النظام العام والآداب العامة، وكذلك حظر نشر أو بث أخبار كاذبة وهى التى أصبحت تهمة رئيسية تواجه كل من يكتب أو ينشر رأيا مخالفا أو تحليلا معارضا فيتم اعتبارها أخبارا كاذبة، فضلا عما جاء فى المادة الخامسة من اشتراطات للتصريح أو استمرار الوسيلة الصحفية أو الإعلامية بأن لا «تمارس نشاطا معاديا لمبادئ الديمقراطية» دون توضيح محدد لمعنى ذلك، وهو ما إن جرى تطبيقه بشكل صحيح لتم وقف كثير من وسائل الإعلام بأدائها الحالى الخاضع للتعليمات والتوجيهات والذى بالتأكيد لا علاقة له بأدنى قيم الديمقراطية!
ورغم تأثير كل تلك المواد وغيرها على الحريات الصحفية والإعلامية بشكل عام، فإن مواد هذا القانون تمتد لمد بساطها على الصفحات والمدونات والحسابات الشخصية للمواطنين الذين لا يعملون فى المهنة، وهو تغول غريب وعجيب من نوعه، لكنه يأتى ليوضح تماما فلسفة القانون وهدفه فى فرض السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعى، وذلك رغم أن المادة الأولى من مواد الإصدار تستثنى سريان القانون على «الموقع أو الوسيلة أو الحساب الإلكترونى الشخصى» فإن المادة 19 عادت لتلزم بأحكامها هذه كل موقع أو مدونة أو حساب إلكترونى شخصى يبلغ عدد متابعيه 5000 متابع أو أكثر، وتمنح المجلس الأعلى اتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه تلك الصفحات والحسابات حيال المخالفة بما فى ذلك وقفها أو حجبها!
القانون الذى تأخر إصداره كثيرا منذ إحالته لمجلس النواب فى نهاية عام 2016، ثم جرى تفتيته وتجزئته ليصدر عبر عدة قوانين بدلا من أن يكون قانونا موحدا، ومن هنا تم إصدار قوانين التنظيم المؤسسى للصحافة والإعلام ونقابة الإعلاميين بحجة ضرورة وجود هيئات إعلامية يتم أخذ رأيها قبل إصدار القانون، ثم عادت اللجنة المشتركة التى ناقشته وأقرته فى مجلس النواب لتقرر فصل هذا القانون نفسه إلى ثلاثة قوانين منفصلة وإلغاء القانون المنظم لتأسيس وتشكيل الهيئات الإعلامية القائمة، بما يوضح قدر الارتباك التشريعى وأن المطلوب كان تأجيل إصدار القانون من مرحلة سابقة إلى الوقت الحالى لتكون الظروف مهيأة لتمريره بهذا الشكل من ناحية ولتكون الجهات الممثلة رسميا للصحافة والإعلام هى تلك الهيئات القائمة حاليا. 
ومع كل الصلاحيات الواسعة الممنوحة للهيئات الإعلامية الرسمية فى القانون، بما فى ذلك سلطة المجلس الأعلى للإعلام فى محاسبة ومعاقبة الصحفيين، وكذلك السلطات الواسعة للهيئة الوطنية للصحافة فى تشكيل الجمعيات العمومية ومجالس إدارات المؤسسات الصحفية القومية، والتى جرى اختزال أعداد الصحفيين فيها وكذلك اختزال أعداد أبناء المؤسسة ذاتها من التمثيل سواء فى جمعياتها العمومية أو مجالس إداراتها، وبما يفتح الباب واسعا أمام تحول شعارات إصلاح وإعادة هيكلة ومعالجة مشكلات المؤسسات القومية إلى مدخل للتخلص منها وبيعها أو خصخصتها خلال المراحل المقبلة، فضلا عن تجاهل القانون لعدد من حقوق الصحفيين فى تلك الجهات مثل الإلزام برفع سن المعاش إلى 65 سنة وعدم النص على حقوقهم فى مكافآت نهاية الخدمة أو توزيع الأرباح والحوافز. 
ومع ذلك كله فقد جرى تقليل عدد أعضاء الهيئات الثلاثة المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام وهو ما جاء على حساب ممثلى الصحفيين والإعلاميين وبعض المتخصصين فى تلك الهيئات، بما يمثل استمرارا ومزيدا من ترسيخ هيمنة السلطة التنفيذية على تشكيل تلك الهيئات. 
بالإضافة إلى ذلك كله فقد جاءت المادة 66 من القانون الأول من تلك الحزمة والذى يتعلق بتنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لتمثل استمرارا لمحاولات فرض سيطرة وهيمنة المجلس على وسائل التواصل الاجتماعى فى ما يبدو، فرغم ما ينشر عن المادة باعتبارها بابا لفرض وتحصيل الضرائب على الجهات التى تعلن عبر مواقع مثل جوجل وفيسبوك وغيرها، فإنه إذا كان ذلك ضمن الفقرة الثانية من المادة، فإن الفقرة الأولى منها تنص على أنه «لا يجوز بث المحتوى الخاص بالوسيلة الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية على الهواتف الذكية أو غيرها من الأجهزة والوسائل المماثلة قبل الحصول على موافقة بذلك من المجلس الأعلى»، وهو ما يفتح الباب للتساؤلات حول امتداد تطبيق آثار تلك الفقرة على ما يتصل ببث مواقع التواصل الاجتماعى بشكل عام على أجهزة وتليفونات المصريين، وإذا ما كانت قد تمثل مدخلا أو مبررا لوقف بث تلك المواقع فى أى مراحل لاحقة فى حال احتياج السلطة لذلك!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.