حكايات كونغولية سكرانة

احمد مجدي همام



حكايات كونغولية سكرانة



صرية الناجمة عن استعمار الجنس الأبيض لإفريقيا، والعلاقات بين الرجل والمرأة، وكذلك الدكتاتورية فى جمهورية الكونغو، هى المحاور الرئيسية الثلاثة التى تنبنى عليها رواية «زجاج مكسور» للكاتب الكونغولى الفرنكفونى «آلان مابانكو»، والتى صدرت ترجمتها العربية عن سلسلة الجوائز التابعة للهيئة العامة للكتاب، وتحمل توقيع المترجم والكاتب عادل أسعد الميرى.


بطل الرواية والراوى يحمل اسمًا غريبًا «زجاج مكسور»، ويمكن للقارئ هنا التقاط الإحالة الواضحة من اسم الرواية والراوى، إلى بناء الرواية الذى يشبه لوح زجاج متكسر ومتشظٍّ، إذ يقوم «زجاج مكسور» صاحب الـ64 عاما، بتدوين حكايات رواد بار «لو كريدى» الواقع فى أحد أحياء العاصمة الكونغولية، يحمل الراوى أجندته، ويدوّن فيها تاريخ تأسيس المكان، ثم يشرد فى شبكة من الحكايات المتصلة المنفصلة، حيث لا يجمع بين كل حكاية وأخرى سوى أن صاحب الحكاية وبطلها أحد رواد البار أو المقهى، بينما تحمل كل قصة منها الدراما الخاصة بها وحبْكتها الخاصة؛ فتظهر الحكايات المتشظية والمتشعبة كما لو كانت سردًا ثملا.


يبدو آلان مابانكو مهمومًا بالعلاقة بين الرجل والمرأة، ما بين الزواج والحب والخيانة والجنس.. تدور حكايات عدة، مثل حكاية «روبينات» أو المرأة الصنبورة التى تستطيع أن تهزم الرجال فى لعبة «أطول فترة تبوّل»، أو حكاية «رجل المطابع» الذى وقع فى حب امرأة فرنسية بيضاء قبل أن تخونه هذه الأخيرة مع ابنه المراهق، وتتآمر معه ضد رجل المطابع، ليودعاه مستشفى للأمراض العقلية ومن ثم يتم ترحيله من فرنسا.


وفى حكايات أخرى من تلك التى يدونها زجاج مكسور فى أجندته، نعرف قصة هوس الدكتاتور الكونغولى بإيجاد جملة رنانة بليغة ومؤثرة مثل تلك التى قالها وزير الزراعة «إنى أتهم»، وكيف هدد الرئيس وزراءه بالرفد والقتل والنفى والتشهير إن لم يجدوا له كلمة رنانة ليلقيها على الشعب فى إحدى خطبه.


كذلك، وفى سياق الحكى المتشظى، نتعرف على ملامح من دولة الكونغو المعروفة باسم «الكونغو برازفيل»، شذرات عابرة من تاريخها، وملامح من حاضرها؛ مثل حى «ركس» حيث فتيات الدعارة الصغيرات، وحى الثلاثمئة الشعبى، وغيرهما من المعالم.


وربما، نظرًا لاختيار مابانكو أسلوبًا غير تقليدى فى البناء، فقد اختار بالمثل أن لا يلجأ للحكى التقريرى المحايد، واتجه لبذر لغة ساخرة على امتداد الرواية، ومواقف تحمل مفارقات مدهشة؛ مثل خوض مباريات فى أطول فترة تبوّل، أو إقامة علاقة مع امرأة فوق الستين من عمرها، أو حتى اختيار أسماء عجائبية للشخصية «الحلزون العنيد- الصنبورة- زجاج مكسور.. إلخ».

ومن هنا جاء التناغم بين البناء الطريف والأسلوب الساخر الجانح إلى الكوميديا السوداء. يُضاف لذلك براعة المترجم عادل أسعد الميرى فى اختيار مفردات وتراكيب تعمل على خدمة المعنى بأعمق طريقة ممكنة، حتى وإن جاء ذلك على حساب السلامة اللغوية من الناحية القواعدية: «اللى فيّا مكفّينى- كإنك يابو زيد ما غزيت»، وغيرها من التركيبات المحلية.


جاء لجوء المترجم لهذا الاختيار ليتناغم مع الحس الساخر فى النص، بحيث يتم توظيف العامية من حين لآخر فى محاولة للتماشى مع المواضع التى تحمل لغة ساخرة وشعبوية.


رواية «زجاج مكسور» للكونغولى آلان مابانكو، عمل خفيف ونابض وحىّ، وهو من الروايات التى تغريك بقراءتها على دفعة واحدة؛ ولذلك ربما فازت الرواية بالجائزة الدولية الفرانكفونية، عام 2005.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..