الرواية تاريخ العرب الحر المتطور دائمًا

محمد صلاح غازى



 الرواية تاريخ العرب الحر المتطور دائمًا



يرصد الروائى التونسى محمد الباردى فى كتاب «الحداثة وما بعدها فى الرواية العربية»، والصادر عن المجلس الأعلى للثقافة، للتحولات التى تمر بها الرواية العربية اليوم، ثمة الآن كتاب جدد ونصوص روائية جديدة، بعد توقف كتاب عن الكتابة، أو غيّبهم الموت أو أكملوا تجاربهم، فلم يعودوا قادرين على الإضافة والإبداع، ولكن المشهد الإبداعى يلوح فى هذه المرحلة بين اتجاهين رئيسيين فى الكتابة، اتجاه لا يزال يؤمن بالتجريب والمغامرة الإبداعية وممارسة مقالات الحداثة الروائية، واتجاه يعترض على التجريب ويعود إلى ما يشبه أصول السرد الروائى.


وهو يعتقد أن الرواية فى قوة حبكتها وشفافية شعريتها وتماسك سردها وعمق دلالة مروياتها، وقد اقترن هذا الاتجاه بالاشتغال بقضايا الأقليات الثقافية، فليس من باب الصدفة أن تركز مرويات إبراهيم الكونى على ثقافة «الطوارق» فى الصحراء الكبرى، وتحتفى «رواية عزازيل» ليوسف زيدان باللاهوت المسيحى لدى أقباط مصر، بيد أن الاتجاه الأول وقد أنجز نصوصه الإبداعية الكبرى، يمر الآن بما يشبه الأزمة التى تقلص طاقة الإبداع، وهى أزمة ذات وجهين، الوجه الأول وجه التنميط والنمذجة وهو وجه من وجوه تناقض التجريب فى حد ذاته.


أما الوجه الثانى فله علاقة بمسألة التجنيس عندما «فاض» النص الروائى التجريبى على جنسه، وأضحى أعلامه الكبار ينظرون إلى ما يعرف بالكتابة «عبر النوعية» ومثال رواية «حجر على حجر» مثال بليغ، فهى شعر وسرد أو سرد وشعر، وفى الحالتين يخرج النص عن سياقه الأجناسى، ويهتك إلى حد بعيد مقولة الرواية. وللكتابة «عبر النوعية» منظروها المعروفون فى الرواية فى سياق المقولة، وهو يرى أن التجريب هو أن تجعل الرواية عملاً حرًّا أساسه الصبوات المحرقة اللاذعة، بحيث تصبح الكتابة انكتابًا ذاتيًّا تختط فيه لنفسها الطريق الذى تريد دون تقيد بقواعد أو أنساق محددة قبلًا.


وفى المشرق العربى، فعندما طرح اتجاه داخل ما يعرف بجيل الستينيات أو جيل الحساسية الجديدة مسألة تأصيل الجنس الروائى، لقد أنبنت هذه الحرة على موقف عدائى تجاه الرواية الغربية عمومًا، أفلم يقل رائدها الكبير جمال الغيطانى «إن الرواية العربية وأساليب السرد الروائى تستنبط قوانينها من داخلها وليس من داخل الرواية الأوربية، فتلك قناعتى التى توصلت إليها من خلال تجربة عملية وليس من خلال التنظير»، ولا أحد يشك فى أن داخل الرواية العربية تلك النصوص الأدبية وشبه الأدبية القديمة التى تقف وراء جُلّ أعمال جمال الغيطانى، لقد استطاع جمال الغيطانى أن ينجز مشروعه السردى المشبع بحضور النصوص التراثية، ولكنه يستنكف من استعمال مصطلح الرواية إذ تخلو كل رواياته تقريبًا من ميثاق روائى صريح يعلن من خلاله أنه منخرط فى جمالية جنس أدبى معلوم، له إنشائيته الخاصة، وله قوانينه الفنية؛ ولذلك تحولت نصوصه السردية فى أغلب الأحيان إلى كتابة سردية حرة تستوحى إنشائيتها من أشكال القص القديم.


إن مفهوم التجديد كما حاول أن يرصده نقاد الستينيات وما بعدها، يلوح من بعيد إلى صلة الرواية العربية الحديثة ببعض أطروحات الرواية الجديدة بفرنسا، فقد كتبت فدوى مالطى دوجلاس دراسة طويلة عنوانها «يوسف القعيد والرواية الجديدة»، وأشار سيد حامد نساج إلى مظاهر التجديد فى رواية «الغبى» لفتحى غانم مؤكدًا على إثر بعض روايات كافكا فيها.


وفى خاتمة الكتاب: يرى محمد الباردى النص الروائى الذى بدأت تظهر معالمه الآن نص مخالف، ومغاير للنزعة التجريبية العامة التى سادت الرواية العربية من خلال أبرز نصوصها، وهو نص يعول كثيرًا على المضمون السردى أو المرويات، وهو يمنح من ثقافة الأقليات أو يشرع للنقد الاجتماعى والسياسى والأيديولوجى وينفر من لعبة الأشكال، ويعود بالسرد إلى تماسكه وعمق دلالته، ولكن هذا النص الجديد يحتاج إلى تراكمات كفيلة بأن تشرع له وجوده وبأن تقدمه على أنه نص ما بعد حداثى يطرح نفسه بديلاً لرواية الحداثة والتجريب.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.