المنتخبات العربية تحتاج إلى علاج نفسى.. كيف فضحت الكرة مشكلاتنا العربية؟

د.محمد المهدى



المنتخبات العربية تحتاج إلى علاج نفسى.. كيف فضحت الكرة مشكلاتنا العربية؟



لم أستطع التخلى عن مهنتى فى الطب النفسى وأنا أشاهد الإخفاقات المتتالية للمنتخبات العربية فى المونديال خصوصا وأنا أرى مشكلات نفسية كثيرة فى أداء اللاعبين تكاد تجعل العامل النفسى هو الأهم وراء فشل تلك المنتخبات فى مغالبة فرق كروية ليست قوية على المستوى الدولى خصوصا أن الهزائم كانت مدوية وأحيانا مخزية بعدد كبير من الأهداف ليس معهودا فى مثل هذه المسابقات. فهل هى مجرد صدفة أن تنهزم كل الفرق العربية من الدورة الأولى للمونديال بهذا الشكل مع أن بعضها ينتمى لدول عريقة كرويا وبعضها الآخر ينتمى لدول تنفق على لاعبيها ببذخ شديد وتوفر لهم كل الإمكانات، وبعضها يضم لاعبين دوليين محترفين ومتميزين دوليا لأقصى درجات التميز.

نعم إنها حالة نفسية يمكن أن نجملها تحت مسمى «الوهن النفسى»، وهو حالة من الارتخاء والتراخى، والضعف وقلة التركيز وتشوش الوعى، وضعف الروابط والوصلات والركلات والتسديدات، وتضارب التوجهات والاتجاهات، وفقدان العزيمة والحماس والتوهج، وضعف الإرادة الفردية والجماعية، والخور العام، وفقدان الثقة بالنفس، وضعف تقدير الوقت، واحتياج فترات طويلة للانتباه والإفاقة من البدايات والكبوات، والضعف الشديد قبل الوصول للنهايات، والفوضى الضاربة فى جنبات الفريق، وضعف الحس الجماعى، وانتظار المعجزات تتنزل من السماء، والاعتماد على البطل الفذ الفرد ليحقق الانتصارات، واللوم على الظروف وعلى الحظ والشكوى من ظلم الناس، والظن أن الطبل والزمر والغناء من المشجعين والفنانين والفنانات والراقصات وتدليل اللاعبين حتى الثمالة يحقق النجاح. وبالتالى لا نبالغ حين نقول بأن المنتخبات العربية فى حاجة إلى معالجين نفسيين محترفين على المستوى الفردى ثم على المستوى الجماعى، وهذه ليست بدعة فكل الفرق الكروية الناجحة تقدم هذه الخدمة النفسية للاعبيها وترعاهم من ناحية التشخيص لبعض الحالات النفسية التى تصيب اللاعبين كأفراد أو تصيب الفريق ككل فى ظروف معينة، ونحن ننفرد عن دول العالم بإهمال هذا الجانب النفسى، وحتى لو وجد مستشار نفسى لأى فريق عربى «وذلك نادر» فإنه يكون أمرا شكليا، مع أنه يوجد الآن تخصص يسمى الطب النفسى الرياضى وعلم النفس الرياضى، يدرس أحوال اللاعبين وسلوكهم ودوافعهم وكل ما يؤثر فيهم.
لقد فضحت الأضواء الكاشفة فى ساحات الملاعب عيوبنا العربية، والتى لا تقتصر على منتخباتنا الكروية، بل تمتد لتشمل الكثير من جوانب حياتنا وتجعلنا رغم إمكاناتنا الهائلة فى مؤخرة شعوب الأرض، وتجعلنا مطمعا لكل من هب ودب، فيمتصون دمنا وينظرون إلينا باحتقار كمثل نظرة المعلق الرياضى الذى قال: «لو كانت كل المنتخبات العربية فى مجموعة وحدها لخرجت جميعها من الجولة الأولى للمونديال»، فإلى هذا الحد يرون حتمية فشلنا وضعفنا ووهننا.
معذرة إن كانت هذه الرؤية قاسية، ولكنها ضرورية لكى نفيق من غفوتنا، فالبعض يريد أن يخفف من وطأة ما حدث ويقول: هذه هى الكرة، وهى فى النهاية لعبة لا تستحق كل هذا الجزع والاهتمام، وعلينا أن ننظر إلى جوانب أكثر جدية فى حياتنا وأكثر أهمية من الكرة، وهذا كلام بعيد عن الصحة، فعلى الرغم من كونها لعبة، وأنها ليست بأهمية السياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو الصحة.. فإنها تكشف خللا فى جوانب كثيرة من حياتنا لأنها تضعنا فى مواجهة كاشفة ليس فيها تحايل أو مجاملات أو محاباة أو تزييف حقائق بالطبل والزمر الإعلامى العربى المعهود الذى يحول الفشل إلى نجاح ويحول الهزائم إلى انتصارات فى أم المعارك، فالمستطيل الأخضر لا يكذب ولا يتجمل ولا يحابى ولا يخدع، بل هو يصفعنا على قفانا إن تراخينا وتخلينا عن الجدية والصرامة والروح القتالية وبذل أقصى الجهد من أول ثانية وحتى آخر ثانية.
يبدو أن صراعاتنا الداخلية قد أجهضت مجتمعاتنا العربية، وجعلت الشعوب فى أدنى درجات توهجها وحماسها ورغبتها فى الانتصار والتفوق والعلو، شعوب أدمنت الخضوع والانحناء وعاشت على التردد والخوف وبطء التفكير وبطء الحركة وبطء التغيير والجمود وفقد الثقة والأنانية وضعف العمل الجماعى والرضا بالمؤخرات فى كل شىء.
أما الفرق الفائزة والمنتصرة فكانت تتميز باليقظة والانتباه الحاد والتركيز الشديد والإدراك الجيد والتفكير الصائب والسريع والقرار الحر والفعل فى الوقت المناسب والتوجه نحو الهدف بلا خوف ولا تردد ولا ارتعاش أو لعثمة. فرق كبير بين لعب الأحرار ولعب العبيد، فرق كبير بين النظام والفوضى، فرق كبير بين الجدية والميوعة، فرق كبير بين الصرامة والتساهل، فرق كبير بين الحركة والجمود، فرق كبير بين الدقة فى النقلات والتسديد وبين الحركات الطائشة المنفلتة.
إننا لم نتعلم كيف نبدأ العمل بجدية وبيقظة وانتباه من أول ثانية إلى آخر ثانية، فنحتاج إلى وقت حتى نفيق فى البداية، ونحتاج إلى وقت نستريح فيه ونتراخى قبل الوصول للنهاية، وهذه كانت إحدى ثغراتنا، بجانب مشكلاتنا فى الانتباه والإدراك والتفكير والذاكرة والقرار والفعل وسرعة رد الفعل والتآزر والتناغم الجماعى والتوهج والحماس طوال الوقت.
إن الهزيمة الكروية تصبح مضاعفة إذا استخدمنا معها أسلحة الإنكار أو التبرير أو الإزاحة أو التهوين أو الإسقاط، وتمتد عدوى الهزيمة إلى جوانب أخرى فى حياتنا لأن الهزيمة تتحرك باستطراق لكى تصل إلى تلافيف وجودنا كعرب وتجعلنا أضحوكة الأمم. وعلى العكس فإن استشعار الهزيمة ومعرفة أسبابها وتحليلها ومحاولة تلافيها فى كل نشاطات وجوانب حياتنا يعطى الأمل فى انتصارات مقبلة، أمل مبنى على رؤى واقعية وليس على أحلام وردية أو تفاؤلات طفولية ساذجة.
ليس مصادفة أن تنجح الثورات فى العالم كله فى تغيير شعوبها للأفضل بينما تفشل كل ثورات الربيع العربى فى هذا «بل يحدث العكس أن تتدهور المجتمعات العربية بعد الثورات»، وليس مصادفة أن تنتهى الحروب فى العالم كله بينما تشتعل فى أغلب الدول العربية، وليس مصادفة أن ينتهى لفظ الاحتلال فى العالم كله وتبقى فلسطين وحدها محتلة، وليس مصادفة أن تعم الديمقراطيات أغلب دول العالم بينما يحرم منها أغلب العالم العربى.
حقا إن الدوائر تتلاقى وقوانين النجاح والفشل ثابتة، فهيا معا نواجه واقعنا العربى بكل شجاعة وصدق لنصلح ما فيه من وهن نفسى، ولست أستثنى أحدا من المسؤولية فكلنا مشاركون وكلنا مسؤولون، والمشكلة ليست فقط فى منتخباتنا، بل فى نخبنا وقواعدنا وكل مفاصلنا، والعلاج ممكن وميسر إذا صدقت النيات وعلت الهمم.

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.