متى تخلع مصر نقابها؟

كريم البكرى



متى تخلع مصر نقابها؟



أسمع هذا السؤال كثيرًا وكأن أصحابه يرغبون فى إطلاق رصاصة الرحمة على نقاش متكرر حول النقاب.

فى البداية، قد أقف على الحياد مع الحريات الشخصية، ولكن عندما يتحول الأمر إلى دعوة عامة مستندة لاسم الدين فحتمًا يجب النظر للأمر من زاوية أخرى، فالنقاب ليس «صنف طعام» تمارس حريتك فى طهيه وإعداده وتناوله، ولكنه زِى يزعم البعض أنه فرض من الله، عز وجل.. فهل فى الفروض حريات شخصية؟
«النقاب».. هذا الزى الأسود الذى يغطى وجه المرأة يصاحبه العديد من الاستفهامات؛ مثل: هل النقاب فى الدين الإسلامى؟ هل النقاب فرض؟ هل النقاب مثل الحجاب؟ لماذا تحرص الدول الأجنبية على حظر النقاب ومنع ارتدائه؟ ومن الطبيعى تناول تلك الأسئلة بالبحث والتفنيد والرد المُقنع.
من المبشر أن هذا الزى تلاحقه القرارات الدولية بالمنع أو الحظر، فمنذ أيام انضمت هولندا إلى مجموعة الدول الرافضة للنقاب، فالنواب الهولنديون وافقوا بأغلبية الأصوات على قانون يمنع ارتداء الملابس التى تغطى الوجه فى الأماكن العامة، وينطبق هذا الحظر على ارتداء «البرقع والنقاب» بالإضافة إلى أقنعة الوجه وخوذات الدراجات النارية، ووفقًا للقانون يمنع ارتداء هذه الأشياء فى وسائل النقل العام والمؤسسات التعليمية والطبية، والمبانى الحكومية.
ومن فحوى القانون يبدو أن الأمن القومى هو الدافع الأول لتشريعه، فالنواب الهولنديون لم يستهدفوا المرأة المسلمة المنتقبة، ولكنهم سنوا تشريعًا يواجه كل مَن غطى وجهه فى الأماكن العامة دون وجه حق.
وفى حين مثلت «الاحتياطات والمخاوف الأمنية» سببًا رئيسيا ساقته بعض الدول لإقرار الحظر، فإن الدنمارك رأت أنه «لا يتناسب مع قيم المجتمع الدنماركى، لأن إخفاء الوجه عند مقابلة الأشخاص فى الأماكن العامة يدل على عدم احترام للمجتمع»، حسبما قال وزير العدل «سورن بابى بولسن».
كثيرون من أنصار ارتداء النقاب يغفلون الحقيقة، ويدّعون أن دول الغرب الكافر تحارب الإسلام، وأن أى رأى بحثى أو فقهى يخص النقاب هو من شأنه زعزعة استقرار الدولة والتطاول على الدين.
حاشَ لله بالطبع، ولكن دول الغرب حققت ما لم تستطع دولة الخلاقة الإسلامية تحقيقه، فلا يُعقل أن تكون حريصة على محاربة دين الله وهم سبقوا أمة الإسلام اقتصاديا وعلميا وأدبيا.
التجاوز الحقيقى بحق الإنسانية والدين يكمن فى أن تخبّئ المرأة وجهها وكأنه عورة أو مصدر من مصادر الفتنة، والأسوأ أن يكون الدين هو الدافع الرئيسى لهذا القمع، فالله، سبحانه وتعالى، كرّم الإنسان وخلقه فى أحسن تقويم، ولا يصح أن تنافس المرأة على مقعد الرئاسة مثلما حدث فى أمريكا وفرنسا، وتتقلد أعلى المناصب بالدول الأجنبية الأخرى، بينما فى عالمنا العربى والإسلامى نعتبرها إحدى أدوات الفتنة والإثارة، ونصمت على إخفائها خلف زى أسود.
السؤال إذن.. متى تخلع مصر نقابها؟
لا أقصد بهذا السؤال أن تواجه مصر النقاب كـ«زى»، فما أسهل تشريع قانون من مجلس النواب إذا كانت تلك هى إرادة الإدارة السياسية! ولكن الأمر أعمق من ذلك، فتكريم الإسلام للمرأة واعتزام الدولة تمكين المرأة، تلك أمور لا تتناسب مع ظهور بعض الدعاة الذين يدعون للنقاب على شاشات التليفزيون ومنابر المساجد، لا يصح فى مصر الحديثة التى نتطلع إليها انتشار لافتة «يوجد نقاب سعودى»، ولا يصح أن تُكرم الدولة المرأة بتخصيص عام لها وتكليفها بـ8 حقائب وزارية فى الحكومة الحالية ثم تقبل معاملتها كـ«سلعة» تثير شهوات الرجال وتفتنهم.
متى تخلع مصر نقابها وتتمرد على القوالب الدينية الخاطئة التى تحولت إلى عادات اجتماعية، هذا الرأى ليس من تأليفى، فالجهة المنوطة بإصدار الفتاوى فى مصر (دار الإفتاء) أدلت برأيها الشرعى البات والقاطع فى هذا الصدد، وأكدت أن النقاب ليس فرضًا أو سُنة، فعلى موقع دار الإفتاء، وبالتحديد فى قسم الفتاوى، باب شؤون العادات (اللباس والزينة)، مسلسل رقم 169، جاء النص كالآتى ردًّا على سؤال بشأن النقاب: الزىُّ الشرعىّ المطلوبُ من المرأةِ المسلمة هو أى زى لا يصفُ مفاتنَ الجسدِ ولا يشف، ويسترُ الجسم كلَّهُ ما عدا الوجهَ والكفين، أما النِّقاب فليس بواجبٍ عند جمهور الفقهاء؛ لقول النبى، صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلا هَذَا وَهَذَا» وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِه وَكَفَّيْهِ. أخرجه أبو داود. وفعلُ السيدة عائشة، رضى الله عنها، فى الحج لا دليلَ فيه على وجوبِ سترِ الوجهِ؛ لأن فعلَ الصحابةِ لا يدلُّ أصلًا على الوجوبِ، ولاحتمالِ أن يكونَ ذلك حُكمًا خاصا بأمهات المؤمنين، وللحديث السابق ذكره، ولحديث: «لا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» رواه البخارى، فدل هذا على أن الوجه ليس بعورة.
ولكن، للأسف، النقاب أصبح عادة مجتمعية انتشرت على يد السلفيين، واقتحمت المجتمع من ريفه وزحفت حتى المدينة، هكذا تغلبت السلفية على التشريع المصرى الذى لا يُلزم النساء بزى شرعى إسلامى كما هو الحال فى السعودية، فانطلق الخطاب السلفى فى خطوات ممنهجة لنشر النقاب وجعله اختيارًا نسويا على الرغم من أنه فى حقيقة الأمر يفرض على الفتيات الصغيرات إعمالًا لمبدأ «مَن شبّ على شىء شاب عليه»، فالسلفيون عشاق قشور الدين وما يتبعها من تدين مظهرى، اعتمدوا على خلق بيئة اجتماعية تلعب دور قوة القانون فى تحجيب الفتيات منذ طفولتهن، مثلما يجبرون الأطفال على ارتداء الجلباب القصير والطاقية البيضاء، ثم يطلقون لحاهم عند البلوغ، فإلى متى ستصبح مصر حبيسة القوالب المتشددة غير المستندة لأى سند دينى معقول.
القضاء الإدارى المصرى ينظر دعوى حظر ارتداء النقاب فى الأماكن العامة، ومنذ أيام تم تأجيل القضية لجلسة 16 أغسطس، وهذه ليست المحاولة الأولى للحد من النقاب وانتشاره، ففى فبراير 2017، قررت جامعة القاهرة منع أعضاء هيئة التدريس من ارتداء النقاب، والممرضات داخل مستشفيات الجامعة، ولكن -للأسف- لم تسِر أى جامعة أخرى على نهج جامعة القاهرة، بل أصبحت تغرد وحدها فى السرب، وكأن الجميع، بدايةً من القيادة السياسية، مرورًا بشيوخ الأزهر ووزارة الأوقاف، وصولًا للمواطنين الطبيعيين، يخشون الخوض فى مسألة النقاب.
مصر تنظر إلى العالم من خلف نقاب، ترى العالم يتحرك ويتقدم ويتطور ويحقق إنجازات عديدة ويمكّن المرأة حق التمكين ويكافح الخطاب الدينى المتطرف، بينما تبقى هى تنظر بعينيها وتظل مكتوفة الأيدى لا تستطيع التمرد أو التصرف.
«مصر المنتقبة» ليست مصر الإسلامية، فالإسلام لم يكن يومًا دين النقاب أو إخفاء كل الوجوه أو التقييد، ولكنه دين المساواة والعدل واحترام الآخرين وعدم إصدار أحكام على البشر أو المزايدة عليهم.
«مصر المنتقبة» لن تستطيع تجديد الخطاب الدينى والعودة من جديد لقيادة الأمة فكريا وثقافيا، مصر المنتقبة ليست امتدادًا لمصر الفراعنة والفتح الإسلامى بالتعاون مع الأقباط، مصر منتقبة الفكر لن تفلح فى مكافحة الإرهاب والقضاء عليه.
فى النهاية، هذه الكلمات لم تكن من أجل منع النقاب أو حظره، ولكنها مجرد مواجهة لتفكير سائد أتمنى إحلاله بتفكير آخر أكثر انفتاحًا على العالم واحترامًا للحياة وللآخرين، مكانة المرأة أسمى كثيرًا من النظر إليها كـ«مثير للفتن والشهوات»، ووضع المرأة يجب أن يكون على قدر قيمتها، فبدل أن نبذل الجهد ونلقى الخطب من أجل نشر النقاب، دعونا نسخر هذا الجهد لمواجهة العنصرية والذكورية والتحرش.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...