محاولة لتصحيح مسار 57357

معتمر أمين



محاولة لتصحيح مسار 57357



لعل أحداث كأس العالم المتوالية تستحوذ على اهتمامات الناس هذه الأيام، ومنها مسألة بعثة شركة «we» للاتصالات التى أثارت الكثير من اللغط حول كيفية إدارة شؤوننا، ومدى تحلى نخبتنا الفنية بالمسؤولية وبُعد النظر، وفى موضوع آخر لا يقل كشفا عن أحداث كأس العالم، فاجأنا الكاتب الكبير وحيد حامد بحملة على مستشفى 57357 كشفت الكثير مما يدور داخل المستشفى، وكمتلقٍ من الخارج لا يعرف الكثير عما يدور داخل المستشفى، فإن كل ما يقال عنها يثير الفضول، لكنه يظل فى مستوى الكلام العام إلى أن يتم إثباته، ولو أن جهات الرقابة فتحت تحقيقا جادا فى الاتهامات التى وجهت إلى مستشفى سرطان الأطفال فعندها نستطيع أن نقطع الشك باليقين، ونتأكد من صحة المعلومات، فليس من السهل بناء صرح طبى بمستوى عالٍ ومستمر، وفى نفس الوقت ليس من المقبول أن نطبطب على سوء الاستغلال كضريبة مقبولة للنجاح، فمن الممكن أن ننجح بالطريقة الصحيحة، أو بالأحرى، لا توجد استمرارية فى النجاح بعيدا عن الطريق السليم، وبهذه المناسبة لفت انتباهى أحد المقالات التى كتبت للرد على أطروحات الأستاذ وحيد حامد، وهو مقال فيسبوكى، لم أكن لأتوقف عنده لولا أن عدد الشير للمقال وصل لعدة آلاف، كما أشار إليه الكثير من العاملين فى مستشفى 57357.

المقالة تقول: «إلى كل شريف ووطنى شارك معانا واحمى وطنك ولو بشير للمقال، انها معركة وعى وحماية وطن، هنهدم #مستشفى_٥٧٣٥٧، هنهدمها لأنها نجحت وفشلت كل مستشفيات وزارة الصحة، هنهدمها لأنها وصلت لنسب الشفاء العالمية، هنهدمها لأننا لأول مرة فى تاريخنا نوصل لمستوى مستشفيات امريكا، هنهدمها لان المستشفى مفيش فيها وساطه، هنهدمها لان الوزراء والمسؤولين يتزللوا لإدارة المستشفى لإدخال حالة ويتم الرفض، هنهدمها لان أطباءها من أفضل أطباء العالم، هنهدمها لأننا مش بنحب النجاح، هنهدمها لان الممرضة مش بتاخد ٢٠ جنيه علشان تغير الملاية بتاعت السرير، هنهدمها لان بقى حلم كل طبيب يشتغل فيها، هنهدمها لأنها اول مشروع يبنيه الشعب بالجهود الذاتية، هنهدمها لأنهم لم ينجحوا فى ضربها من الداخل، هنهدمها لان فيه ٢٥ ألف طفل اتعالجوا وخفوا، هنهدمها لأنها بتهتم بتطوير وتعليم وتدريب الطاقم الطبى، هنهدمها لان دى حملة احنا مصريين.. لأننا نحب الفشل». وهذا أغلب ما جاء فى المقالة، والحقيقة أنى لأتعجب من كم المغالطات الواردة فى هذه المقالة القصيرة، وفى نفس الوقت أتفهم حالة الغضب التى انتابت أى مؤمن بمشروع ويريد الدفاع عنه، لكن فلنفند الخطأ أولا، ثم نتعلم مما حدث ثانيا.
ليس صحيحا أن كل مستشفيات وزارة الصحة فاشلة، ولو كان الأمر كذلك، فمن الذى يعالج ملايين المصريين فى كل ربوع الوطن! ثم من قال إن مستشفيات أمريكا مرجعية يعول عليها؟ هل يعرف كاتب المقال عدد المرضى الذين يتوفون فى طوابير الانتظار فى المستشفيات الأمريكية؟ ألا يذكر لقطات الفيديو لسيدة تموت فى الاستقبال، ومر بجوارها ممرض، فضابط شرطة، فموظف استقبال، ولم يكترث أحد بالالتفات إليها، وبسبب هذا الفيديو، نشطت حملة أوباما فى عمل تأمين صحى شامل لكل الأمريكان، ثم بجرة قلم ألغى ترامب هذا البرنامج، وليس صحيحا أن 57357 هو أول مشروع يبنيه الشعب بجهوده الذاتية، فعبر تاريخ مصر وإلى يومنا هذا، توجد وقفيات مستمرة لعقود، وأخرى لقرون، تنفق على مشاريع خيرية، وتنموية، وصحية، ومشروعات رعاية اجتماعية، ثم ليس صحيحا أننا نحب الفشل ونكره النجاح، بل هذا ما يتم بثه من سموم فى السوشيال ميديا لتعكير صفو المجتمع والنيل منه من الداخل، وزعزعة ثقة الناس بنفسها وبالبلد، وللأسف يتم هذا بيد بعض أبنائه، ثم إن الاتهامات التى وجهت للمستشفى لم يتم الرد عليها، وحتى البيان الصادر عن المجلس التنفيذى للمستشفى، المنبثق من مجلس الأمناء، قال كلاما مرسلا لم يتم تأييده بمستندات منشورة، فهل نجارى مقالة الكاتب المدافع عن المستشفى ونقول له أين الدليل على ما قلت؟ وأين التفنيد لما قاله الأستاذ وحيد حامد؟ إننا نريد ردا يحترم عقولنا وإسهاماتنا وينهى المسألة بشفافية، لكى نستريح من هذه القصة، ونتابع إسهاماتنا معها ومع غيرها من الجمعيات والمؤسسات الأهلية الكبرى التى تتصدى لقضايا هامة فى مجتمعنا.
وبعد تصحيح الخطأ، ننتقل للنقطة الثانية وهى التعلم مما حدث، ونقول إن المعلومات التى نشرت فى معرض الهجوم على مستشفى السرطان تشير إلى حصولها على مليار جنيه تبرعات، وهذا مبلغ ضخم يمكن أن يكون له عائد أكبر من مجرد بناء مستشفى فى منطقة السيدة زينب، بل يجب أن يتخطاه لبناء مستشفى فى كل محافظة، ولكن لكيلا نعيد اختراع العجلة، ولكى نمنع الجُزر المنعزلة، ولكى نحسن من أداء مستشفيات وزارة الصحة التى اتهمها الكاتب المدافع عن 57357 بأنها فاشلة، فهل من الممكن أن نتبنى معايير أمريكا التى يتباها بها الكاتب أيضا، والتى تقول إن مثلث التنمية هو القطاع الحكومى، والقطاع الخاص، والمجتمع المدنى؟ وبدلا من تعظيم حجم المستشفى فى السيدة زينب، فهل من الممكن أن يُسهم مستشفى سرطان الأطفال فى بناء قسم للأورام فى كل مستشفى جامعى أو مركزى فى كل محافظة؟ إن المبانى قائمة بالفعل، والعديد منها يحوى على وحدات لعلاج السرطان لكن بحاجة ماسة إلى التطوير والمساعدة، فماذا لو تكاملت الجهود بحيث نطور المستشفيات الكثيرة القائمة بدلا من بناء نموذج واحد بالمليارات لكن يشق على الناس الوصول إليه بسبب المسافة الجغرافية ناهيك بباقى المعايير؟ نفس الشىء نقوله بالنسبة لمستشفى شفا الأورمان فى الأقصر، ومستشفى 500500، والذى يتكلف مئات الملايين، إن نفس هذا الإنفاق السخى كفيل بعمل قسم للأورام فى كل مستشفى جامعى، أو مستشفى مركزى، وبتفاهم من المانحين مع المستشفيات يضمن معايير تسيير وإدارة العلاج والخدمات.
إن ميزة أموال التبرعات أنها مرنة، بمعنى أن الإنفاق منها يكون وفقا لمعايير أكثر مرونة من الأموال الحكومية وأموال الاستثمار، فبينما تسعى الحكومة للوصول بخدمة مدعمة إلى أكبر عدد ممكن، ويسعى القطاع الخاص لتحقيق أعلى عائد وأكبر انتشار، فإن «جنيه التبرع» يجب أن يذهب إلى زاوية أخرى أبعد من الاثنين، وهى زاوية العلاج من الجذور، ولذلك نحلم أن امرأة أو رجلا رشيدا أو مجموعة رشيدة ستنتبه يوما ما إلى سؤال: ماذا لو وجهنا كل الإنفاق على الوقاية من مرض السرطان بحيث ينجو منه الناس؟ أليست الوقاية خيرا من العلاج؟ تخيل لو أن أموال التبرعات تم إنفاقها على البحث العلمى الذى يطور الأدوية، فأصبحت أقل تكلفة وفى متناول المريض؟! ألم ننجح فى مكافحة فيرس سى بمجرد عمل صفقة علاج ناجحة مع الشركة الأمريكية المنتجة للدواء فأصبح بعدة مئات من الجنيهات بعد أن كان بآلاف كثيرة؟ إن أجدادنا فهموا معنى الأوقاف الخيرية، وخصصوا الجزء الأكبر منه للتعليم والتعلم، لأنهم يعرفون أن العلم مفتاح السعادة، وأن الجهل مفتاح الفقر، وعلمونا أن علاج السبب الرئيسى حتى لو كان علاجا صعبا وبحاجة إلى وقت طويل، فإنه الطريق الأصح، فهلا انتبهنا لحكمة تاريخنا؟

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.