البحث عن ماء الوجه فى روسيا




البحث عن ماء الوجه فى روسيا



خرجت مصر من كأس العالم ومعها المنتخبات العربية غير مأسوف عليها فى الحقيقة؛ لأن المنتخبات الأربعة التى تأهلت أظهرت أن هناك فارقًا كبيرًا بين الكرة العربية والكرة فى باقى دول العالم، والحقيقة أن إفريقيا -مثلًا- لها خمسة منتخبات فى البطولة، خرج منها العرب الثلاثة، وظل الثنائى الأسمر حتى النفس الأخير ينافس بقوة ومهارة بهرت العالم، الذى يعرف جيدًا الفارق بين إفريقيا السمراء وإفريقيا البيضاء، وهو ما يؤكد مقولة إن إفريقيا السمراء تركت لنا المحلية وذهبت إلى العالمية للتألق فى كل مونديال.

خرجت المنتخبات العربية ولم تقدم شيئًا يُذكر إلا مستوى قد يكون جيدًا من أسود الأطلسى، ولكنه كالعادة مشاركة فقط. شاهدتُ من الملعب ثلاثة منتخبات عربية، ولم تتَح لى الفرصة لأشاهد الرابع «المغرب»، والحقيقة أن مستوى الفرق العربية تكتيكيًّا ضعيف مقارنةً بكل الفرق التى لعبت معها، خصوصًا المنتخب التونسى الذى خسر بسهولة غريبة أمام منتخب بلجيكا الذى كان يلعب بطريقة «يلا نجيب جول»، ولم أرَ أن لاعبى بلجيكا يبذلون أى مجهود يُذكر فى الملعب، وحققوا الفوز بكل سهولة، وكان من الممكن أن تتضاعف النتيجة، ولكن تعامل المدير الفنى مع اللقاء على أنه انتهى فى الدقيقة 65، وأوقف النتيجة عند هذا الحد.
أما المنتخب السعودى فهو أشبه بمنتخب الخماسى الذى يتحرك كله دون أى خطة، وبالنسبة للمنتخب المصرى كان الأفضل على المستوى الخططى، ولكن دفاعيًّا فقط، أما على المستوى الهجومى ففقد أنيابه بغياب صلاح.
الفراعنة خرجوا من البطولة الأكثر شهرة وأهمية لعدة أسباب، أهمها أن كوبر تعامل مع قائمة الفريق قبل البطولة بطريقة «أنا هاخد اللى أعرفه أحسن من اللى ماعرفوش»، على شاكلة «سام مرسى شبه محمود عبد العزيز والاتنين مش هيلعبوا خالص»، فيضم سام لأن معه 9 معسكرات، وكذلك سعد سمير وغيره من اللاعبين، وشيكابالا على أنه بديل عبد الله السعيد، وهو أمر لم يصدقه شيكا نفسه فى لقاء الكويت الودى، فلعب على الخط فى نفس مكانه ولكن كوبر وحده كان له رأى آخر.
المسافة الطويلة التى قطعها المنتخب المصرى بين جروزنى والمدن التى أقيمت فيها المباريات كانت سببًا فى إجهاد اللاعبين، فلم يسافر كل هذه المسافات إلا المنتخب المصرى، وكان قرار إقامة معسكر الفريق فى الشيشان هو الأسوأ، خصوصًا أن الطائرات التى أقلت المنتخب المصرى من الشيشان إلى المدن التى أقيمت فيها المباريات كانت صغيرة وفى أقصى حمولة لها، وهو ما أجهد اللاعبين؛ لأن الرحلات كانت طويلة لأكثر من 4 ساعات.
غياب محمد صلاح أثر فى القدرة الهجومية للمنتخب المصرى، وتعامل كوبر مع تلك الأزمة قبل كأس العالم على أساس أن صلاح سيعود، فلم يجهز البديل أو يفعل شيئًا يواجه به غياب صلاح، ولعبت مصر أول مباراة فى البطولة بحثًا عن التعادل فقط، ومن يبحث عن التعادل يخسر.. وبالفعل خسر كوبر.
أخطأ الجميع بتوقعهم أن مجموعة مصر سهلة وأن الفريق المصرى قادر على التأهل، والتعامل مع الهزيمة فى الدقيقة الأخيرة أمام أوروجواى على أنها انتصار كان له مفعول السحر فى خسارة الفراعنة بكل سهولة أمام روسيا.
المنتخب الوطنى تلقى هدفًا رغم أنه كان الأفضل، وخرج من لقاء أوروجواى بقلة خبرة وجهاز تائه. كما أنه لم يتعامل بسرعة مع الهدف الأول فى مباراة روسيا فتلقى الفريق هدفين آخرين فى 10 دقائق، قضيا على اللقاء تمامًا.
عدم وجود دكة قوية سببه كوبر؛ لأنه اعتمد -كما ذكرت فى البداية- على أصحاب الحظوة وليس أصحاب المستوى، ما جعل تغيير الأداء وسرعة اللقاء من البدلاء مستحيلًا، ففى ظل الهزيمة بثلاثة أهداف يخرج رأس الحربة الوحيد فى القائمة ويشارك لاعب وسط مهاجم، وهو أمر غريب لفريق، على الأقل، كان يبحث عن هدف ثانٍ يحفظ به ماء وجهه.
انتهى كأس العالم بالنسبة للعرب، ومصر بالأخص، ولكن بدأ كأس العالم الحقيقى من الآن بالنسبة للكبار الذين يبحثون عن اللقب الكبير، فمَن يحمل الكأس الذهبى فى النهاية ويحمل اللقب من معقل القياصرة فى موسكو؟

قبل بداية البطولة كانت هناك شكوك كبيرة حول مدى قدرة روسيا على تنظيم بطولة كبيرة مثل كأس العالم، ورغم أن الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» كان لديه تحفظات كثيرة قبل انطلاق المونديال، فإنه لم يستطع سحب التنظيم من روسيا.
بدأت البطولة على عكس ما توقع الجميع، وشهدت نجاحًا كبيرًا فى التنظيم، ولا توجد أى عوائق لكل من حضر إلى هنا إلا عامل وحيد وهو اللغة، ولكن فى أى دولة نسافر إليها نواجه نفس المشكلة، وربما هى نفسها التى يواجهها أى سائح يقرر أن يأتى إلى مصر من أجل «الفسحة».
نجحت روسيا فى تنظيم البطولة وكان هناك أكثر من سبب لهذا النجاح الكبير الذى شعر به كل مَن جاء إلى هنا.
أولًا: اختارت اللجنة المنظمة للبطولة 13 استادًا فى 12 مدينة من أجل احتضان الحدث، ونظرًا لمساحة روسيا الكبيرة تفرقت الجماهير بين المدن فلم يظهر أى تكدس بأى بلد، فهناك جمهور يأتى وآخر يغادر، وهو ما جعل هناك انسيابية فى الطرق ولم يظهر فى كل أنحاء روسيا وجود 2 مليون زائر، ولو كانت البطولة فى خمسة أماكن فقط لَكانت هناك أزمات فى الإقامة والتنقل وكل شىء.
الجماهير استمتعت بزيارة أكثر من بلد، والجمهور المصرى زار ثلاث مدن لكل منها قصة وتاريخ، فى البداية زار مدينة إيكاترنبرج التى قُتل فيها نيقولا الثانى، آخر القياصرة، وتم التمثيل بجثته.
المباراة الثانية لمصر ذهب الفراعنة إلى مدينة سان بطرسبرج، كما ينطقها الروس، وزار المصريون المدينة الأجمل فى روسيا وهى المدينة التى بناها بطرس الأول لتصبح نافذة على أوروبا، وهى أجمل مكان فى روسيا.
وفى آخر المباريات لعب الفراعنة فى مدينة فولجوجراد، وهى التى كانت تسمى قبل ذلك ستالينجراد، والتى شهدت أعنف معارك الحرب العالمية الثانية وأكثرها دموية.
وجود المباريات فى أكثر من مدينة منح الفرصة للمشجعين لزيارة روسيا ومعرفة الكثير عنها، وهو ما يمنح السياحة الروسية فى المستقبل رواجًا كبيرًا.
ثانيًا: الأمن يسيطر على كل شىء، ولا توجد مشكلات تُذكر فى الشوارع أو الطرق، ويتحرك كل من جاء إلى روسيا بصورة كبيرة وبحرية كأنه فى بلده.
ثالثًا: بطاقة «Fan ID» لها مفعول السحر فى نجاح البطولة وهذا الحضور الجماهيرى الكبير، فمنذ اللحظة الأولى أعلنت روسيا أن كل من يحصل على تذكرة حضور أى مباراة له حق الحضور إلى روسيا دون استخراج تأشيرة دخول، وهو ما منح سهولة كبيرة فى الحضور من كل أنحاء العالم، وللعلم عدد الجماهير المصرية فى مباراة روسيا وصل إلى 26 ألف متفرج، وهو عدد مهول خلال مباراة خارج أرضك، وفى كل المباريات تجد عددًا كبيرًا من جماهير المنتخبات حضر، وهو ما أعطى انتعاشًا للبطولة.
رابعًا: أتاحت الحكومة الروسية كل الانتقالات عن طريق المترو أو القطار بصورة مجانية، ما منح حرية التنقل داخل البلد وحتى بين المدن الأخرى بصورة سهلة دون تكلفة على الجماهير التى حضرت البطولة.
نجحت روسيا بصورة رائعة فى تنظيم البطولة الأهم كرويًّا فى العالم، وحققت لنفسها ما لم تحققه دولة قبلها، نظمت كأس العالم ونجحت فقط على مستوى التنظيم، أما على مستوى كرة القدم فما زالت روسيا أقل من المستوى المطلوب وهناك عدم ثقة من الجماهير الروسية فى منتخبهم، والكل يرى أنه رغم تحقيق نتائج جيدة فى البداية فإنه لن ينجح فى تحقيق الفوز مستقبلًا.



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...