الجسد بوصفه وقودا للثورة

رانيا جابر



 الجسد بوصفه وقودا للثورة



عمدت هذه الدراسة إلى التأصيل للجسد كوحدة للتحليل السياسى، والجسد هو الجانب العضوى من الوجود الإنسانى، وهو جوهر واحد ولكن الرؤى تختلف باختلاف المنظور العلمى، فهناك الجانب الاجتماعى، والثقافى، والاقتصادى، والسيكولوجى، والطبى، والسلوكى، وقد أخذت الباحثة «مريم وحيد» هذه الجوانب بعين الاعتبار فى إطار بحثها عن العلاقة بين «الجسد والسياسة» فى هذا الكتاب الذى يحمل نفس العنوان، والصادر مؤخرا عن مكتبة الأسرة 2015.


وبصفة عامة فإن رؤى العلوم تختلف فى دراسة الجسد، ففى البداية تناولت غالبية الأبحاث دراسة الجسد بيولوجيا وأنثروبولوجيا مثل دراسة شكل الجسد ومظهره وما يشكله من هيكل، ثم اهتمت العلوم السلوكية والعلوم الاجتماعية فيما بعد بدراسة جسد المجتمعات والأفراد، وهو ما أغفله العديد من العلماء قبل ذلك، وتلى ذلك طرح مفاهيم خاصة بالجسد مثل «الجسد الرمزى والمعنوى»، كما تناولت الدراسات الحديثة -مثل الدراسات الإعلامية- الصورة الذهنية للجسد.


ويهتم الكتاب بدراسة مستويين فى تعريف الجسد، المستوى الأول: الجانب المادى لجسد الفرد، والمستوى الثانى: الجسد المعنوى المتمثل فى «المجتمع كجسد» و«الدولة كجسد»، مع تناول تجربة انتهاك الجسد الفردى ما قبل الثورة ومحاولة تحرر مع الثورة التى مرت بها الدولة.


إن هذا الكتاب لا يطمح فى طرح نظرية شاملة عن الجسد فى إطار النظرية السياسية، بل يحاول تقديم رؤية مغايرة لعلاقة الجسد بالسياسة، وتقديم زاوية رؤية جديدة لتحليل الثورة المصرية، ولمس ملمح جديد من ملامح الثورة وإلقاء الضوء على مناطق جديدة للاقتراب من مشهد الثورة بمفهوم جديد وهو «الجسد».


وتتناول الباحثة فى دراستها فترة زمنية تمتد من 25 يناير 2011 مرورا بالمرحلة الانتقالية التى أدارها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وانتهاء بانتخاب أول رئيس لمصر بعد الثورة يوم 24 يونيو 2012.


إننا إذن أمام دراسة تتعرض لقضية علاقة الجسد الإنسانى بالدولة أو الجسد السياسى من خلال إطار نظرى يتناول قضايا الجسد فى العلوم والأديان من خلال نظرة عامة يعقبه تحليل عميق للجسد فى النظرية السياسية فى الفصل الثانى، وفى الفصل الأخير يتم التركيز على دراسة مفهوم الجسد فى الثورة المصرية، فقد لفت النظر فى أثناء الثورة أن المتظاهرين لم يهتموا باختلافاتهم الجسدية بل إنهم تضامنوا وتلاحموا جسدا واحدا، وهو ما يمكن تسميته بالجسد المجتمعى وجسد الأمة وجسد الدولة وجسد الفكرة والهدف السياسى، فكان أن تلاشت الاختلافات بين كبير وصغير وذكر وأنثى ومحجبة وغير محجبة، ومسلم ومسيحى وليبرالى ويسارى وإسلامى، وتوحد كل هؤلاء فى كيان واحد أو جسد واحد يسعى بإرادة واحدة إلى هدف واحد وهو القضاء على الظلم والاستبداد.


وقد نجح ثوار يناير فى تحقيق الكثير من أهدافهم عندما ضحوا بـ«الجسد البشرى – الفرد» من أجل «الجسد المجتمعى – المعنوى» فصار الشهيد رمزا وقيمة لجميع المتظاهرين، بل ولكل المواطنين المصريين أيضا، كما صار لزاما على الجميع مواصلة النضال لتحقيق الهدف الذى ضحى من أجله الشهيد بدمه، وهكذا صار الجسد «الميت» ملهما للثورة، وكانت جذوة الثورة قد اشتعلت من موقع «كلنا خالد سعيد» على شبكة التواصل الاجتماعى.


وبعد الثورة أصر الشباب وطوائف المجتمع كافة على عدم إهدار دماء الشهداء، وكان الجسد هو أداة الثوار الأساسية للتعبير عن مطالبهم، وهذا ما طرحه كثير من مفكرى السياسة حول تأثير موت فرد على مستقبل الأمم والشعوب.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..