معجزات جبل الرب فى نابولى

عادل صفصاف



 معجزات جبل الرب فى نابولى



شخصيتان رئيستان فى رواية الكاتب الإيطالى الكبير أرى دى لوكا «جبل الرب» ترجمة نزار آغرى، منشورات الجمل.. شخصية الراوى الذى لم يتجاوز عمره ثلاثة عشر عاما، وشخصية الإسكافى «رافانييلو»، شخصيتان تصنعان معا عالم الرواية البسيط حد العبقرية.. يوميات الصبى تسجيل لكل ما يسهم فى بناء رؤيته للحياة وموقفه منها.. وفى خلفية السرد ظلال الحرب العالمية الثانية والصراع الطبقى الذى استغرق حياة الكاتب الشخصية وحياة الصبى كذلك ميدانا رحبا لذلك إنه ابن عامل يترك مدرسته ليساعد أسرته ويلتحق بورشة المعلم أريكو ويتعرف على الإسكافى «رافانييلو» فيرتبط به ارتباطا روحيا.


«رافانييلو» فى الرواية يمثل التوق إلى الخلاص ويرسم الطريق إليه.. يمنحه الكاتب من السمات البدنية والنفسية ما يعينه على أداء هذا الدور «أنا أستطيع أن أخمن أعمار الناس غير أننى لا أستطيع تعيين عمر رافانييلو فى الوجه يبلغ مئة عام، فى اليدين أربعين عاما، فى الشعر عشرين عاما، فشعره كله أحمر، أما فى طريقته فى الكلام فلا أعرف».

وفى ظهر «رافانييلو» حدبة قال له ملاكه: إن بها جناحين سيطير بهما إلى القدس ليحط على أسوارها الغربية.. و«هو لا يؤذى ذبابة ولا تعمد الذباب إلى إيذائه أيضا» منذ وطأت قدمه جبل الرب فى نابولى وهو قد «شرع من فوره فى تصليح أحذية الفقراء» يراه الفقراء من فرط عطفه ورحمته نبيا، يصيح بائع الأمشاط فى الشوارع «دون رافانييلو معلم الإسكافيين إنه يجعل المشلولين يمشون ثانية» ولكل من الشخصيتين ما يرتبط بها من رمزية يدور حولها العمل الفنى.. بومرانغ الصبى الذى أهداه إياه أبوه يصير محور الحياة يعكس الحالة الشعورية للصبى ويعكس أحلامه وتطلعاته «أنا أصعد إلى هناك كى أتهيأ لرمية واحدة ذات مساء ستصبح ذراعى قوية جدا ولن أتمكن من عرقلتها وحينئذ سيطير البومرانغ».


ويكون البومرانغ كذلك شاهدا على علاقته بماريا ويوشك أن يكون معادلا موضوعيا لتطور هذه العلاقة، أما حدبة رافانييلو ففيها جناحاه القويان اللذان سيمكنانه من الطيران صوب الشرق ليحط رحله على أسوار القدس الغربية.

رافانييلو من بلدة أفنت الحرب جميع أبنائها ودفعه القدر إلى جبل الرب على غير قصد منه، ويتحرر جناحاه من سجنهما بمقدار ما يسمو وبمقدار ما تصفو روحه ويكون التحرر الكامل والانطلاق إلى الآفاق الرحبة وتحديدا إلى مدينة السلام لحظة يتحطم كل قيد يحط من رمزيته الملائكية، ومنذ البداية يضع الكاتب نهاية تتهادى باتجاهها الأحداث إنه يوم عيد الميلاد اليوم الكرنفالى الذى ينذر الجميع فيه أنفسهم للسعادة واليوم الذى ينصهر الكل فيه.. عضلات الصبى كلما اقترب ذلك اليوم تصبح أقوى وأكثر استعدادا لإطلاق البومرانغ وكذلك يصبح عالمه أكثر اكتمالا ويزداد إحساسه بالمسؤولية عن أبيه الذى حطمته وفاة زوجته والدة الصبى، وكذلك إحساسه بالمسؤولية تجاه ماريا التى شرعت فى الظهور برفقته والاستمتاع بما تمنحه البلدة للأسرة من رعاية وتقدير، ويكتمل أو يوشك وعيه بالمكان ووعيه بالزمان ووعيه بتطلعاته الجسدية والروحية.


وجناحا رافانييلو كل يوم تزداد ثورتهما على السجن داخل الحدبة فتعلو خشخشتهما ويتعالى ظهورهما، ويسرع رافانييلو فى الانتهاء من مهمته المقدسة، مهمة إصلاح ما تبقى من أحذية الفقراء فى جبل الرب ليضفى شيئا من السعادة على المساكين أبناء الرب، وليبقى لهؤلاء بعد رحيله ذكرى طيبة تقتات عليها قلوبهم المتعبة «تحترق يداى، ستحترق فعلا إن لم أطلق البومرانغ فى نهاية الأمر، أصابعى تحكنى كى أطلقه، أنفخ عليها الآن، يزداد الأمر سوءا أشد أعصابى أقبض بأسنانى على الفراغ أسحب نفسا عميقا أسحب البومرانغ إلى ما وراء كتفى أغمض عينى السليمة أتطلع إلى السماء الزاخرة بالأضواء».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..