الحسين وصراع الدين والسياسة!

محمد سيد ريان



الحسين وصراع الدين والسياسة!



اعتبار الحسين رمزًا من رموز الشيعة سقْطة تاريخية ودينية كبيرة، فالحسين نموذج إسلامى بارز للصراع بين الظلم والطغيان من جانب، والإصلاح والعدل من جانب آخر. ومَن يقرأ كتاب «أبو الشهداء الحسين بن على» للكاتب الكبير عباس محمود العقاد، والصادر عن دار نهضة مصر، يكتشف أننا أمام عبقرية وصاحب مبدأ نادرًا ما يتكرر.


ويوضح العقاد أنه لفهم الخلاف الذى حدث بين الحسين بن على ويزيد بن معاوية، يجب الأخذ فى الاعتبار أن الحوادث قد جمعت لهما أسباب التنافس والخصومة منذ أجيال، وكان هذا التنافس بينهما يرجع إلى كل سبب يوجب النفرة بين رجلين، من العصبية، إلى التركات الموروثة، إلى السياسة، إلى العاطفة الشخصية، إلى اختلاف الخليقة والنشأة والتفكير.


ويسرد العقاد تفاصيل هذا الصراع منذ البداية، فقد تنافس هاشم وأمية على الزعامة قبل أن يولد معاوية، فخرج أمية ناقمًا إلى الشام، وبقى هاشم منفردًا بزعامة بنى عبد مناف فى مكة، فكان هذا أول انقسام وتقسيم بين الأمويين والهاشميين، هؤلاء يعتصمون بالشام، وهؤلاء يعتصمون بالحجاز، ثم فتحت مكة، وأسلم أبو سفيان وابنه معاوية عند فتح مكة، وكان إسلام بيته أعسَر إسلام عُرف بعد فتحها، فكانت زوجه هند بنت عتبة تصيح فى القوم بعد إسلامه «اقتلوا الخبيث الدنس الذى لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم!».

واستمر الأمر حتى قامت خلافة عثمان بن عفان فانتصر بها الأمويون أيما انتصار؛ لأنه رأس من رؤوسهم وابن عم قريب لزعماء بيوتهم، وأصبحت الدولة الإسلامية أموية لا يطمع فى خيراتها ولا ولاياتها إلا مَن كان من أمية أو من حزبها.


ويشير العقاد إلى أن الكفاح بين على ومعاوية لم يكن كفاحًا بين رجلين أو بين عقلين وحيلتين، ولكنه كان على الحقيقة كفاحًا بين الإمامة الدينية والدولة الدنيوية، وأن الأيام كانت أيام دولة دنيوية؛ فغلب الداعون إلى هذه الدولة من حزب معاوية، ولم يغلب الداعون إلى الإمام من حزب الإمام. إنه الفارق الخالد بين مزاجين بارزين كائنًا ما كان تفسير المفسرين للعقائد الروحية والمطامع السياسية.


الكتاب يحكى تفاصيل ثورة الحسين بمكة ثم بالعراق، ومن أهم التفاصيل التى يذكرها أن الحسين وهو فى طريقه إلى الكوفة -يوم دعاه شيعته إليها- كان يسأل مَن يلقاهم عن أحوال الناس، فينبئونه عن موقفهم بينه وبين بنى أمية، وقلّما اختلفوا فى الجواب، فسأل الفرزدق وهو خارج من مكة -والفرزدق مشهور بالتشيُّع لآل البيت- فقال له: «قلوب الناس معك وسيوفهم مع بنى أمية»، وقال له مجمع بن عبيد العامرى: «أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم ومُلِئَتْ غرائرهم، فهم أَلْب واحد عليك، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوى إليك وسيوفهم غدًا مشهورة عليك».


ويبين الكاتب أن خروج الحسين من مكة إلى العراق حركة لا يسهل الحكم عليها بمقياس الحوادث اليومية؛ لأنها حركة من أندَر حركات التاريخ فى باب الدعوة الدينية أو الدعوة السياسية، هى ليست ضربة مغامر من مغامرى السياسة، ولا صفقة مساوِم من مساومى التجارة، ولا وسيلة متوسِّل ينزل على حكم الدنيا أو تنزل الدنيا على حكمه، ولكنها وسيلة مَن يدين نفسه ويدين الدنيا برأى من الآراء هو مؤمن به ومؤمن بوجوب إيمان الناس به دون غيره، فإن قبلته الدنيا قبلها وإن لم تقبله فسِيَّان عنده فواته بالموت أو فواته بالحياة، بل لعل فواته بالموت أشهى إليه.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..