عندما يمنحك القدر فرصة العودة للحياة

نسرين البخشونجى



عندما يمنحك القدر فرصة العودة للحياة



«ينبغى أن يستطيع الجميع عيش حياتين» هذه الجملة يمكنك أن تعتبرها خلاصة الرواية الفرنسية «وبعد» للكاتب الفرنسى الشاب غيوم ميسو.


تدور الرواية حول المحامى الشهير «ناتان» الطموح جدا الذى يحاول الحفاظ على صحته بممارسة الرياضة يوميا إلا أنه بدأ يشعر بألم فى الكتف.

تزامن الآلم مع ظهور طبيب الحالات الحرجة «د.غورديش» فى حياته فيقلبها رأسا على عقب، لأن الأخير لديه قدرة على معرفة اقتراب موعد موت البشر «مبشر» كما يقول عن نفسه لذلك فهو يعمل فى مركز العناية المخصص للأشخاص الذين يحتضرون من أجل تهيئتهم للعبور بسلام.


يرفض «ناتان» وجود الطبيب فى حياته فى البداية، ويحاول أن يبتعد عنه إلا أن شعورا داخليا يقوده نحو الاقتراب، خصوصا بعدما قال له الطبيب إن الشاب «كيفن» أوشك على الرحيل فإذا به ينتحر بعد دقائق معدودة. وفى محاولة بائسة لتكذيب «د.غورديش» بشأن قرب وفاته، يذهب «ناتان» لإجراء فحصوات طبية شاملة وأخذها إلى الطبيب «المخبول» من وجهة نظره ليقول له إنه بصحة جيدة وهذا يعنى أنه لن يموت الآن أو حتى قريبا.


سيستجيب ناتان للقدر بعدما قرر أن يقضى ما تبقى من عمره فى إعادة ترتيب أولوياته والتى تبدأ باستعادة «مالورى» زوجته و«بونى» ابنته. ويتحول من شخص أنانى لا يهمه سوى الاهتمام بنفسه إلى شخص يهتم كثيرا بالآخرين. بعدما يتذكر كلمة مالورى طليقته «الاهتمام بالآخرين، هو اهتمام بالذات».
هل هناك مكان نذهب إليه جميعا بعدما تفارق الروح الجسد؟ وهل سنتغير ونكتشف ذاتنا إذا علمنا بقرب الأجل؟ سؤالان يعتبران أساس فكرة الرواية؟


يمكننا بالطبع الإجابة عن السؤال الثانى وإجابته نعم، لأن رؤيتنا للحياة ستصبح أشمل وربما أكثر إنسانية. فالبطل العملى الأنانى حين يستشعر أنه على وشك الموت يبدأ فى محاولة إيجاد حلول لمشكلة حادث السيارة الذى اقترفه حماه كى يهتم هو بمالورى وبونى «زوجة البطل وابنته»، أو تأمين حياة ابن النادلة التى تعرف عليها قبل أيام من وفاتها. ويبقى السؤال الثانى مجهول الإجابة.


ورغم أن الرواية تدور أساسا عن الموت لكن لا يمكن أن نصف النص بأنه كئيب بل على العكس فهو مكتوب بروح رومانسية شديدة الإنسانية.


الشخصيات الثانوية التى ظهرت فى حياة البطل ثرية وقد وظفها ميسو بسلاسة لتضيف للفكرة الأساسية. وكما بدأت الرواية بحادثة الغرق انتهت كذلك بالحادثة التى شكلت حجر أساس النص الإبداعى، فالطفل «ناتان» الذى مر بتجربة القرب من الموت عاد ليكمل رسالته فى مساعدة «مالورى» حبيبة عمره وزوجته لمفارقة الحياة.


واستطاع الكاتب غيوم ميسو رسم تفاصيل شديدة الخصوصية، مثل ملامح البشر، شرح الأجواء، وصف المشاعر بشكل مؤثر، يميل بنا ميسو نحو الإيقاع السريع فى الأحداث ثم يهدئ الإيقاع وقبل أن تشعر بالملل تأخذك وتيرة الحدث فتنزلق مرة أخرى فى تفاصيلها المتميزة. كما أن الكاتب الفرنسى استطاع ببراعة وصف نمط الحياة السريع فى نيويورك.


واستعان الروائى بمقولات لمشاهير فى مطلع كل فصل من فصول روايته الثلاثين كى يدعم بها فكرة الفصل ويلخصه. مثل مقولة الممثلة الأمريكية الشهيرة مارلين مونرو «إن مهنة ناجحة لأمر مذهل، ولكننا لا نستطيع أن نتغطى بها فى الليل حين نشعر بالبرد»، أو مقولة أوفيد «نحن بطيؤون فى تصديق ما يصعب تصديقه».


صدرت الترجمة العربية للرواية عن المركز الثقافى العربى بالمغرب للمترجم حسين عمر.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..