الفلسطينى الجدير بالمدينة المقدسة التى لا تفارقه!

محمد صلاح غازى



 الفلسطينى الجدير بالمدينة المقدسة التى لا تفارقه!



ارتبط الدكتور فيصل دراج بالأديب الفلسطينى جبرا إبراهيم جبرا لمدة نصف قرن، ولد جبرا فى عام 1920 وتوفى فى عام 1994 فى بيت لحم، واستقر فى العراق بعد حرب 1948.

أنتج نحو 70 من الروايات والكتب المؤلفة والمترجمة، وقد ترجمت أعمالة إلى أكثر من اثنتى عشرة لغة.


وكتاب الدكتور فيصل دراج الصادر عن مجلة دبى الثقافية، ليس كتابًا فى السيرة الذاتية لجبرا، بل دراسة فى العالم الروائى للأديب الفلسطينى جبرا إبراهيم جبرا.


فى كتابات جبرا الروائية ما يشير إلى أديب متعدد فى المراجعة الثقافية، احتضنت الشعر والفلسفة والرؤى الدينية.

ففى روايته الأولى «صراخ فى ليل طويل» أدرج الأسطورة وعالم الإشارات والرموز، مستفيدًا من كتاب جيمس فريزر «الغصن الذهبى» وكتاب «ما قبل الفلسفة» لهنرى فرانكفورت، اللذين ترجمهما لاحقًا. حاول المزواجة بين العقل الذى يفسر شروط الإبداع الفنى وقوة الخيال التى ترد إلى الروح والبصيرة، قبل أن تستشير الواقع المعيش.


تحضر أطياف القدس واسعة فى «صيادون فى شارع ضيق»، الرواية الأولى التى كتبها فى بغداد بعد الرحيل، قارن اللاجئ بين مدينته ومدينة الآخرين، وشعر بحنين لا يمكن التعبير عنه، لذا تأتى صورة المدينة مشبعة بالمجاز وهى «لؤلؤة سقطت من يد الله فوق أرض فلسطين»، وفريدة فى تصورها الإيمانى، فقد اعتقد المسلمون أن «الملائكة بنت المدينة بأمر الله وأعطتها اسمها».

حمل الاسم «بُعدًا سماويًّا»، أصبح فى القرن الخامس للهجرة «القدس الشريف»، حيث فى الاسم ما يقول بالقداسة والطهر والتبجيل وجمال المنظر، ذلك أن اللغوى ياقوت الحموى قال: «القدس فى اللغة تعنى المنتزه».


تستدعى علاقة جبرا بالقدس صفة الاستحواذ الروحى- الذهنى، إذ الروح مشدودة إلى ما لا يمكن التحرُّر منه، وإذ الذهن مشغول بما لا يستطيع تفسيره.

يجمع الاستحواذ بين الغبطة والعذاب: الغبطة من انتساب الإنسان إلى مدينة تحميه، وعذاب فقدها، الذى يقرره ولا يمليه الإنسان.


يأتى الاستحواذ من الدوائر «غير الطبيعية»، من دوائر الأسرار التى يهيمن عليها الإلهى، ولا يعى معناها إلا القلب، وبشىء من النقص والغموض، لذا تكلم جبرا عن «السر» وضرورة الرموز، وأخذ بصيغة المجاز، محاولاً التعبير عن تجربة روحية تقصر المسافة بين الله والبطل الفلسطينى.

كان فى تصور جبرا، المؤمن بالضمان الإلهى، ما يشير إلى حلم «الإنسان الكامل» الذى يضمن له كمال الانتصار، كما لو كان هذا المخلوق المضىء «قدسًا» أخرى.


استمد جبرا رومانسيته من مصادر متعددة: إيمانه المسيحى، وهناك نظره الشعرى المشغول بالإبداع الإنسانى وبقدرة الشاعر الخالقة التى تجعل من الخلق الشعرى نظرية فى المعرفة وتأويل العالم، بعيدًا عن مقولات التاريخ وفلسفة العلوم اللتين تلامسان «السطح الإنسانى» ولا تنفذان إلى داخله.

ويضاف إلى ذلك، بداهة، دراسته العليا فى بريطانيا التى تأثر خلالها بكبار الشعراء الرومانسيين، ظهرت هذه الأبعاد فى رواية جبرا الأولى، لكن ما حرض على اعتناق شامل للمبادئ الرومانسية قائم فى الوضع الفلسطينى الذى لا يمكن التعايش معه دون مفردات: الأمل، والمستقبل، والتفاؤل، وقدرة الإنسان على اقتراح ما يريد تحقيقه.


تميَّز منظور جبرا الروائى بما يمكن أن يدعى: الإيمانية الكاملة، التى أملت عليه أن يكتب «رواية واحدة» قائمة فى رواياته جميعًا، أو يكتب رواية واحدة بأشكال مختلفة، قوامها فلسطينى مقدسى، يرى نفسه كما يريد أو يراه الآخرون كما يريد أيضًا، إلا إذا كانوا أشرارًا، ولهذا حافظت رواياته على موضوع واحد ومضمون واحد، وعلى بنية واحدة، لا تغيّر العناصر التقنية المتجددة دلالاتها شيئًا.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..