حيوات فلسطينية مقيدة بالانتطار

نضال ممدوح 



 حيوات فلسطينية مقيدة بالانتطار



استطاع الكاتب الفلسطينى «عاطف أبو سيف» فى روايته «حياة معلقة» والتى وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2015، التعبير عن حياة الفلسطينيين فى غزة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وتفاصيل حياة سكان المخيمات، والتحولات السياسية وأثرها على العلاقات الاقتصادية والثقافية والصراع من أجل الهوية والبقاء.


 تتناول الرواية سيرة حياة «نعيم» والذى يواكب مولده حرب 1948، وتهاجر أسرته من يافا، ويسكن مخيم قرب غزة، يعرض حياته وحياة أسرته لخطر الاعتقال، وهو يطبع سر منشورات المقاومة قبيل الانتفاضة الفلسطينية الأولى التى تنطلق شرارتها فتخرج صور كبيرة للشهداء من مطبعة نعيم لتتزين بها شوارع المخيمات وواجهات محالاتها.


لا يدعى «نعيم» أية بطولات ويرفض التقاط الصور له، وتتلخص أحلامه البسيطة فى التئام شمل أسرته وأبنائه الثلاثة: عودة سليم من إيطاليا وخروج سالم من السجن وزيارة ابنته سهى بعدما رحلت مع زوجها إلى السعودية، ولا يتحقق حلمه أبدًا بعدما تقتنصه رصاصة جندى إسرائيلى فترديه قتيلًا، وتبكيه قلوب قبل مآقى كل من عرفوه: المختار وصفى، والحاج خليل، ويوسف، ونصر وآخرون من الشباب الذين طوق «نعيم» أعناقهم بحمايته لهم من اعتداءات الجنود الإسرائيليين وما قدمه لهم من خدمات فى مقاومتهم السرية.


 يعود سليم كى يحضر جنازة أبيه الذى تاق لعودته تلك، ويرفض أن تطبع صورًا لأبيه لتوزع فى أنحاء المخيم كبقية الشهداء لا يريد لأبيه أن يُختزل فى بوستر، يقول سليم «ثم إنه ليس بطلاً بل ضحية» ينخرط سليم فى مرافعة ونقاش طويلين مع نصر، ممثل النضال الشبابى المتواصل فى الرواية، حول معنى ومغزى البطولة التى لم يخترها «نعيم» يغضب نصر من نزق سليم وفلسفته ورفضه لفكرة البوستر، فنعيم أحق أهل المخيم ببوستر يليق به وهو الذى كان قد صمم بوسترات لكل شهداء المخيم وغيرهم، لم يكن هذا نقاشًا عابرًا، بل يتمحور ويصير جوهر الرواية.


بموت  «نعيم» تتغير تفاصيل حياة سكان المخيم، عندما يستصدر العميد صبحى قرارًا من حكومة غزة يقضى بهدم البيوت على التلة، واستثمار الأرض فى مشاريع تفيد المخيم، مثل مول كبير، ومسجد كبير، ومركز شرطة كبير، المشروع كله قائم على الفساد والمستفيد الأكبر منه هو خميس، الذى صار البزنس جزءًا من حياته، بعدما فارق المقاومة وصار يجاهد فى تجارة الأنفاق، العميد صبحى مستفيد أيضًا لأن خميس وعده بعدة محلات فى المول، أما مركز الشرطة والمسجد فكأنهما الحارسان أو المُشرعان الضروريان لوجود المول: الأول يمنح الحماية الأمنية، والثانى يمنح الشرعية الدينية، صمدت التلة فى وجه اسرائيل؛ لأن الناس كانت تعرف أنها تواجه عدوًا واضحًا، سقطت التلة يوم ضاعت البوصلة بين المول والمسجد والمخفر، وما عاد أحد يواجه عدوًّا واضحًا.


هنا يبرز الصراع ما بين أهالى المخيم دفاعًا عن قداسة هذه التلة، وما بين السلطة، فى مشهد ينتهى بصراع ميدانى على التلة، وكأنه يحاكى حالة الانقسام الفلسطينى، والغريب فى الرواية أنها تبدأ بحرب وتنتهى بحرب، وفى تفاصيل بدايتها جنازة وفى تفاصيل نهايتها جنازة أيضًا.


ونجح أبو سيف فى تعقب العقود الثلاثة الأخيرة من عمر القضية الفسطينية من لحظة اللجوء الأولى التى تلاحق الحروب، ثم الانتفاضات، وقيام السلطة الفلسطينية فى منتصف التسعينيات، وصولًا إلى الانقسام وسيطرة حماس على قطاع غزة، تتبدل بعض ملامح الحيوات لكنها تظل معلقة، جميعها برسم الانتظار: انتظار السجناء حتى يخرجوا، والمسافرون حتى يعودوا، والصغار حتى يكبروا، والكبار حتى يموتوا.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..