خيالات جبل النرجس

د.هويدا صالح



خيالات جبل النرجس



هناك من كتاب القصة القصيرة من يكتبها بطاقة مشبعة كرواية، وقد حظيت القصة القصيرة بتطور كبير فى مستويات الكتابة السردية، وحققت فيه طفرات جمالية أفادت من الإرث الجمالى السابق لها، ولم تحدث قطيعة جمالية معه، لكنها أضافت مقترحات جمالية جديدة.


ومن الذى راهنوا على القصة المشبعة الكاتب سمير الفيل فى مجموعته «جبل النرجس» التى صدرت حديثًا عن دار «الأدهم»، حيث يجترح عوالم جمالية مميزة عبر تقديم مجموعة من الشخصيات تمثل هؤلاء المهمشين، تكشف عوالمهم، سعاداتهم وتعاساتهم وأحلامهم، يعود الكاتب عبر الذاكرة إلى مراحل الطفولة والشباب، ليستجلى حيوات هذه الذوات، عبر لغة ساخرة، ومفعمة بالحنين إلى تلك اللحظات المستدعاة من الذاكرة الطفولية، نرى معه الولد الصغير الذى يرافق زملاءه فى رحلة لعين حلوان، ولحظات السعادة التى عاشها مع الصغار، لكن الكاتب لا يقدم لنا هذه اللحظات فى بناء تخيلى تمامًا، بل صوت المؤلف يظهر فى بداية النص، حيث يعلن أنه سيقدم لنا قصة مسبوكة، وأنه يفترض أن يمكن أن يخرج الولد الصغير من الصورة، لكى يكتب الحكاية التى خفق فيها قلبه الصغير: «لو أخرجنا الولد الصغير من الصورة ستكون الفرصة أعظم لسبك قصة معقولة حول سبع شخصيات تضمها صورة قديمة التقطت بالأبيض والأسود.. إن الصورة تفكر فى طمس بعض الملامح والذكريات، ولكننى بقدرة قادر سأكون قادرًا على المباغتة، وسأهمل العصافير التى كانت تمر فى الفضاء مشقشقة فى فبراير من عام 1972، وأنا أبحث بكل قواى عن بنت صغيرة أحبها».


فى قصة «هندسة» يرصد لنا الراوى العليم لحظات مقلقة ومندهشة فى حياة ذات ساردة تحاول أن تدخل اختبار مادة الهندسة، يقدم الكاتب عبر كادرات متوازية كيف يشعر ليس الطلاب الذين يتلقون اختبار الهندسة فقط، بل كادرات ترصد كل شىء حتى القطة فى الجوار، والحدأة التى تقف على عمود الكهرباء والسحابة فى السماء، وسرب العصافير الذى يعبر فى تلك اللحظة والمدير العام يمر على اللجان.


فى قصة «البلكونة» الطويلة المشبعة أيضًا تدور فى جو حلمى، أو يكاد يكون كابوسيًّا، فالذات الساردة تجد نفسها فى بلكونة، وتعانى من وساوس وهواجس، ونتعرف على الأحلام والسعادات والأمنيات، فالبطل يحب فيوليت، ويحلم فقط أن يجلس أمامها ويتملى فى عيونها، لكنه وعبر منطق الحلم يجد نفسه محصورًا فى شرفتها، وتستمر القصة فى سرد تفاصيل هذه الذات وعلاقتها بالآخر فى لغة مشهدية بصرية لها جمالياتها وعمقها: «لم يسمع أحد صرخاتى، وحتى صوت محمد فوزى سكت، وخيّم الصمت على الشارع أسفل البيت، وكف المطر عن الهطول، الليل يهبط برفق، وخلفى كان جدار باهت النقوش، تسير عليه عناكب رمادية غير عابئة بوجودى، كففت عن التساؤلات، وركزت فكرى للخروج من البلكونة التى حاصرتنى كأنها المصيدة».


فى قصة «جبل النرجس» يمازج الكاتب بين الواقعى والفانتازى، فالذات الساردة فى بناء حلمى جديد يذهب هو وأخوته إلى جبل النرجس، ويقوم بسرد خيباته وخيبات هؤلاء الأخوة، بل خيبات تلك الطبقة الاجتماعية المهمشة، وخيبات الوطن، فى إشارات تاريخية دالة ومكثفة، ولغة بصرية: «وجدتنى على جبل النرجس الذى يحتل منطقة تطل على البحر المتوسط، أسبقهم بمقدار خطوة وهم يتبعوننى.. كنت أهبط وهم يتبعوننى، والنرجس يطل من فجوات التكعيبة التى وصلنا إليها مجهدين.. تقدم منى خليفة الذى شق رجال القبائل فى اليمن صدره، وعاد فى تابوت، هزنى فى عنف: حاربت من أجلكم، وأنت تريد أخذ المحل ونهب البيت؟»، نصوص تتساءل عن الحياة، تتساءل عن معنى الحب والموت، وفكرة الوجود، تكشف عبر المحاكاة الساخرة عن مواجع الناس وهزائمهم فى قصص طويلة ومشبعة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..