كريستيانو رونالدو.. كائن لا يخضع لقوانين البشر

المقال



كريستيانو رونالدو.. كائن لا يخضع لقوانين البشر



فى هذا العصر الذى تسوده العصبية والشكوك، يصبح الحديث بنقد ساخر نوعًا من الصخب المسرحى المتبجح العنيف. فى البداية كان يعرف أن أصل الخطب النقدية الساخرة كان أخلاقيًّا ولم يكن عدوانيًّا على الإطلاق، على الأقل بالنسبة إلى خطباء مثل سينيكا وسيسرون وإبيكتيتوس، كانوا مهذبين وهم ينتقدون أى شخص علنًا.

أتحدث هنا عن كريستيانو رونالدو، هناك الآلاف مَن يصرخون بالشتائم لتنهال على نجم ريال مدريد فى كل ملعب يلعب فيه. فهل يمكن لنقد أدبى لاذع من النوع الفلسفى أن يؤثر فيه أكثر؟ إن انتقاد لاعب فاز بالـ«بالون دور» مع فريقَين مختلفَين مهمة خاطئة من الأساس. مظهره وشخصيته بالإضافة إلى الكم الخرافى من المال الذى يكسبه أمور تعيق أى تفكير منطقى واضح، ودومًا ما كانت الوسامة والمظهر الجميل مثيرَين للحسد، ويبدو أنه وصديقته الروسية يتعمدان تذكيرنا ذلك باستمرار.
أجدنى أمام نموذج نادر للغاية من النرجسية، فعندما يستعد كريستيانو لتسديد ركلة حرة فإنه يتجهز بأن يأخذ تلك الخطوات المسرحية الرشيقة، وكأنه ينبهنا إلى أن هناك أمرًا مثيرًا وخاصًّا على وشك الحدوث، ثم يقف ساكنًا وقد باعد بين ساقَيه، فيشبه تمثالًا لنفسه، إنها وقفة تليق بالإله «أبولو»، ولكن هل كل هذا لازم فى الواقع لتسديد ركلة رحة بشكل أفضل؟ بالطبع لا. ولكن جذْب الانتباه إلى نفسه هو طريقته النرجسية للتركيز.
يريد «سى آر 7»، كما يحب أن يطلق عليه، أن يعتقد الناس أنه كائن لا يخضع لقوانين البشر الطبيعية، أو أنه أقرب إلى «سايبورج» أو شبه ملاك، مخلوق مختلف بقصة شعر مختلفة.
لا يمكن لأى لاعب فى كرة القدم الحديثة أن ينافس كريستيانو فى كماله الرياضى، إنه يتحرك بكل سرعة ورشاقة، وينفذ ويصقل النصيحة التى أسداها له العداء يوسين بولت، عندما التقيا فى إنجلترا. وهو يجيد التسجيل بالقدمَين والرأس تمامًا، فيذكرك بجابرييل باتيستوتا أو أوليفر بيرهوف، كما أنه مراوغ بامتياز ومن النوعية التى تبتكر الجديد فى المراوغات.
تتجمع كل هذه الصفات لتشكل ما يسميه الألمان -بكل دقة تسمح بها لغتهم- «كرافت باكيت»، أو مصنع القوة. فلو كان رياضيًّا أوليمبيًّا لحصد العديد من الميداليات الذهبية فى كل لعبة يشارك فيها، لكن كرة القدم أكثر من مجرد رياضة، وتكمن عظمة كريستيانو فى ما يتجاوز حالته الجسدية الرائعة، بل فى عقليته التى لا يمكنك أن تكتسبها مهما مكثت فى صالات الجيم.
من وجهة نظر كريستيانو، تعتبر كرة القدم رياضة الأداء العالى، حيث تكون للمستوى البدنى الفذ أفضلية على أى شىء آخر، وهو غير قادر على التماهى مع زملائه من اللاعبين الآخرين، ولا يجد انعكاسًا لشخصيته إلا فى موضوع رغبته، الكرة. وبينما يعود الفضل إلى كرويف فى تعريف الجمهور بأهمية التمريرة المتقنة، وأن حركة الكرة هى الشىء المؤثر والأهم فى المباراة، يسعى «سى آر 7» لفرض عكس ذلك، حيث يريد أن يكون هو العنصر الأشد جاذبية والأكثر تشويقًا فى الملعب، وليس حركة الكرة.
يشارك كريستيانو فى المباراة وكأنه طفل مدلل تميَّز من بين جميع أفراد العائلة، واشتهر عنه أنه لا يحتفل بأهداف لم يكن له يد -أو قدم بالأحرى- فيها، ودائمًا ما يهتم بإنجازاته الفردية على حساب الفريق، فلا عجب أن يلقبه زملاؤه «آنسياس»، التى تعنى المتلهف، فتعطشه للنجاح يبدأ من عنده وينتهى معه.
فى موسم 2011- 2012، تم ترشيح كريستيانو لنيل جائز «بالون دور». وقرر فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد، أن لا يذهب إلى حفل توزيع الجوائز فى مونت كارلو، لكن غريمه ساندرو روسيل، رئيس برشلونة، حضر. وفاز ميسى باللقب فى ذلك العام، وشعر كريستيانو أنه قد أهين. وفى المباراة التالية للفريق ضد «جرانادا»، سجل هدفين لكنه لم يحتفل بهما، وعندما سُئل عن ذلك، قال إنه حزين «لأسباب مهنية».
نجم كرة القدم الكبير يكسب الملايين ويخصص بعضًا من هذه الثروة لضمان سعادته، فمن بنود عقده المسلم بها أن يعكس للجمهور مدى رضاه وسعادته، لذا يكون عليه إظهار ذلك مع كل هدف يحرزه. ومن حق أى إنسان أن يشعر بالاكتئاب أحيانًا، لكن اكتئاب كريستيانو يتخذ شكل اللا مبالاة بكل مَن هم حوله، ولكن بطريقة احترافية. لا يزعجه إن خسر فريقه، ولكن إذا لم يقدره الاتحاد الأوروبى ورئيس ناديه بالقدر نفسه الذى يثمن به نفسه، فعليهم أن ينتظروا منه كل جحيم.
عندما حضر كريستيانو إلى ريال مدريد،  كان جوزيه مورينيو المدير الفنى الأكثر إثارة للجدل فى كل العصور، يختار لاعبى الفريق ويفضل أولئك الذين يمثلهم الوكيل خورخى مينديز، وكان لذلك الوكيل تأثير كبير ولافت داخل هذا الكيان الرياضى، ومن أجل تهدئة التوتر فى صفوف الفريق وتعزيز سلطته وسطوته كان مورينيو يعتمد فى بعض الأحيان انتقاد نجومه علنًا أو يخرجهم من التشكيلة الأساسية، وعندما قام بذلك مع كريستيانو كان رد فعله عنيفًا داخل غرفة الملابس، وأبدى سيرجيو راموس وإيكر كاسياس مساندتهما له، فقد قرر كباتن الفريق الوقوف بشجاعة فى وجه الطاغية، فماذا كان تعليق أبولو البيرنابيو على هذا الموقف؟ استدعى وكيله وطلب منه التحدث إلى مورينيو نيابةً عنه، وهكذا تفاوض مينديز مع مورينيو وفاز بحصانة لكريستيانو، تم حل المشكلة (بالنسبة إلى كريستيانو طبعًا، أما بقية الفريق.. فليذهب إلى جحيم مورينيو).
عندما سألوا الفرنسى إيريك كانتونا عن أفضل شىء فعله على أرض الملعب، اختار تمريرة بعينها، فى تأكيد على جماعية اللعبة، فحتى اللاعب المعجزة يكون فى أشد حاجة إلى بقية أفراد الفريق، وعندما حقق مارادونا ملحمته الشهيرة فى مونديال 1986، وحطم  كرامة لاعبى التاج البريطانى، فقد أمكنه ذلك بفضل زميله خورخى فالدانو الذى كان دوره هو إشغال دفاع المنافسين والتمويه عليه وإفساح مجال أكبر لانطلاقات مارادونا.
لكننى أرى فى انتقاد مظهر كريستيانو أو شخصيته أو فريقه أو حتى الأموال التى يكسبها والسخرية من ذلك مبررًا، فهذا الرياضى البرتغالى الهائل يتحدانا أن نصل إلى أشد مستوى من النقد، وعليك أن تعلم أن ليس هناك من لاعب زامل كريستيانو وتحسن مستواه أو صار أفضل. إنه الأنانى الفذ الذى لا يعرف لمفهوم الثنائيات مكانًا فى أفكاره، لقد كان تفوق البرازيلى كاريكا على نفسه عندما زامل مارادونا، ولم نعرف ريفيلينو إلا بعد أن لعب جوار بيليه.
ومن عجيب المفارقات أن أكثر لاعب كرة استفاد من صفقات كريستيانو هو ليونيل ميسى. فتلك التنافسية المريرة مع لاعب واحد والقتال على تحطيم الأرقام الفردية من كل نوع هما ما حفَّزا النجم الأرجنتينى ووصلا به إلى مستويات تجاوزت الخيال.
كانت مثالية جسد كريستيانو مرآة لأنانيته فى الملعب، مع أن أعظم السحرة يحتاج إلى مساعدين.
هؤلاء اللاعبون المحترفون الذين تركوا بلادهم ليركلوا الكرة فى بلاد أجنبية لا يختلفون عن هؤلاء المهاجرين، إن لعبة كرة القدم نموذج ديمقراطى حالم، وسبيل إلى التغلب على البؤس والطغيان ومنح الجميع فرصة للحياة، ولا يمكن أن يكون فيها مكان للأنانية والغرور.
رأيى أن لا مكان لكريستيانو رونالدو فى هذه اللعبة الجماعية التى غمرتنا بسحرها وأعاجيبها.. إنه يمارس رياضة فذة فريدة منفردًا، حتى إن كان يفعل ذلك فوق أرض الملعب نفسه الذى تقام عليه مباراة لكرة القدم.

 

...

 

من كتابَى «أغرب الحكايات فى تاريخ المونديال لـ«لوثيانو بيرنيكى» ترجمة: محمد الفولى.. و«جنون المستديرة» لـ«خوان بيورو» ترجمة: محمد عثمان خليفة

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.