رجال قبل الرسول.. قس بن ساعدة الذى بعث أمة وحده

شعبان ناجى



رجال قبل الرسول.. قس بن ساعدة الذى بعث أمة وحده



يعد حبر نجران، قس بن ساعدة الأيادى، رافدًا من أهم الروافد التى كان لها تأثير خطير فى التكوين الدينى لمحمد، صلى الله عليه وسلم، وهو واحد من أهم حكماء العرب قبل الإسلام، ويعده الشهرستانى فى «الملل والنحل» بين مَن يعتقد التوحيد ويؤمن بيوم الحساب، وقد كان قس خطيبًا مفوّهًا يخطب بالناس فى أسواق مكة محذرًا إياهم من عبادة الأصنام الرابضة حول الكعبة، ونرى أن قس بن ساعدة هذا هو أول من ولَّد عند محمد تلك النزعة المتمردة للثورة على الأفكار والتقاليد والموروثات البالية.

ولقد كان قس بن ساعدة القائم على كعبة نجران من أبرز وأهم الأصوات المعبرة عن الدين فى الجاهلية، ونستطيع أن نضمه إلى فئة المتحنفين التى ضمت الكثيرين من أمثال: ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وزيد بن عمرو بن نفيل وعثمان بن الحويرث وأبو قيس صرمة بن أنس. هذا فضلا عن فئة أخرى من الشعراء ممن أشاروا إلى الدين مثل: أمية بن أبى الصلت الذى دعا إلى الله والإيمان بالبعث والنشور والحساب، فقد زهد فى الدنيا ولبس المسوح وذكر الجنة والنار فى شعره الذى تشابه كثيرًا مع بعض آيات القرآن. ومثل: زهير بن أبى سلمى الذى تناول ذكر الله ورسُله، كما ذكر يوم القيامة فى بعض قصائده وعلى رأسها قصيدته الميمية الشهيرة.
كما لا نستطيع أن ننكر التأثير الملموس لخطبة قس بن ساعدة فى نفس النبى، صلى الله عليه وسلم، تلك الخطبة الشهيرة التى ألقاها فى سوق عكاظ وهو يمتطى الجمل الأحمر، والتى تؤكد كل مفردة فيها أن «قس» كان متدينًا راسخ الإيمان والعقيدة لدرجة أن الرسول قال عنه: «لست أنساه بسوق عكاظ على جمل له وهو يتكلم بكلام مونق... فخطب وأطنب ورغَّب ورهَّب وحذر وأنذر». ونحن عندما نسترجع نتفًا من هذه الخطبة سوف نقف على علامات دالة وفارقة، فحينما يقول قس: «أقسم بالله قسمًا حقا، لا آثمًا فيه ولا حانثًا، إن لله دينًا هو أحب إلى الله من دينكم الذى أنتم عليه». أليس واضحًا هنا أنه يؤكد رسالة الإسلام ويدعو إليها؟ وحينما نراه يتساءل: «أين من بغى وطغى، وجمع وأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟» فهى -لا شك- تساؤلات تلتحم التحامًا عنيفًا مع نصوص كثيرة من القرآن، وهو الأمر الذى جعل قلب محمد ينفتح أمام كلمات هذه الخطبة العصماء، حتى لنراه وقد حفظها عن ظهر قلب وظل يرددها لسنوات طوال فى غدوته ورواحه.
كما أننا عندما نرجع إلى بعض أشعار قس فسوف نتأكد من صدق إيمانه، وأصالة مذهبه، فهو القائل عن الموت:
يا ناعى الموت والملحود فى جدث عليهم من بقايا قولهم خرق
دعهم فإن لهم يومًا يصاح بهم فهم إذا انتبهوا من نومهم أرقوا
حتى يعودوا بحال غير حالهم خلقا جديدا كما من قبله خُلقوا
منهم عراة ومنهم فى ثيابهم منها الجديد ومنها المنهج الخلق
وعلى هذا الأساس نرى أن قس بن ساعدة كان أول المبشرين بالإسلام، ونلحظ من خلال شخصيته أنه لم يكن ثمة تعارض بين المسيحية والحنيفية، أو بين اليهودية والحنيفية، فيقال إن ورقة كان نصرانيًّا وكذلك كان قس، ورغم ذلك عدَّهما المؤرخون من الأحناف، وعلى هذا فلم يكن من حق الإسلام أن يحتكر الحنيفية وحده. وما يؤكد ذلك أن قس بن ساعدة كان يمارس كل طقوس العبادة فى كعبته التى كان يحج إليها أفواج كثيرة من الجزيرة العربية، وهو مَن أوجد للعرب أشياء لم يعرفوها من قبل، فهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ على عصا أو سيف عند خطبته، وأول من قال «أما بعد»، وأول مَن قال «البينة على مَن ادعى، واليمين على من أنكر»؛ لذا نجد أنه بعد نزول الرسالة أقر النبى بكلام قس بن ساعدة؛ ذلك لأنه كان متطابقًا تمامًا مع ما قال به الإسلام، وعليه فقد قال النبى عندما سُئل عن مصير قس: «يُحشر أمة وحده».



أقرأ أيضا