ملحمة الخيول الفلسطينية البيضاء

مصطفي عيد



 ملحمة الخيول الفلسطينية البيضاء



«كنا جميعا معذبين بذلك الإحساس: إذا خسر اليهود، فإنهم سيعودون إلى البلاد التى أتوا منها أما إذا خسرنا نحن، فسنخسر كل شىء».


رواية «زمن الخيول البيضاء» للكاتب الفلسطينى إبراهيم نصر الله الصادرة عن دار العربية للعلوم، ملحمة فلسطينية مُقسمة لثلاثة كتب «الريح، التراب، البشر»، جاءت فى أكثر من خمسمئة صفحة، وتحكى حكاية «فلسطين» من خلال شهادة حقيقية موثقة، لتحفظ حقنا كعرب ضد شهادة الصهاينة التى تروج لها.


تدور أحداث الرواية من خلال الأرض والسهول والبيوت والشخصيات الفلسطينية منذ أواخر الاحتلال التركى، والاحتلال الإنجليزى، وحتى بناء المستوطنات والاحتلال الصهيونى، فنقع فى غرام الخيول البيضاء الحرة، وما تمثله من رمز وقيمة، والحاج محمود، والحاج خالد وناجى، والهباب وحمدى، وريحانة وسمية، ومضافة الحاج محمود ومهباش قهوة حمدان، ومنديل ياسمين والمهرة البيضاء حمامة، والبرمكى وخضرة، الشيخ ناصر العلى والشيخ محمد السعادات، وقرية الهادية وحيفا والقدس، ومقاومة الاحتلال العثمانى والإنجليزى والإسرائيلى.


وترصد الرواية ما قام به المندوب السامى السير «آرثر واكهوب» بافتتاح محطة «إذاعة فلسطين» وقبول عدد من الشخصيات الوطنية التعاون معها فيقول: «كان التشاؤم فى المستقبل كبيرًا حيث تجاورت اللغة العبرانية مع اللغة العربية، والأسوأ هو حضور سماحة الحاج أمين الحسينى رئيس المجلس الإسلامى هذا الاحتفال»! بعد إعدام الشباب المدافع عن حائط البراق فى القدس فى سجن عكا يوم 17/06/1930.


والرواية محملة بالمعلومات والوقائع التاريخية: «قد أعدم من المحكومين فى ست سنين على يد الإنجليز فى فلسطين وحدها أكثر مما أعدم فى كل المملكة العثمانية الكبيرة فى عهد السلطان عبد الحميد، رغم النظر إلى الإدارات الإنجليزية كإدارات دستورية عادلة حكيمة».


وفى الرواية الخيول أبطال لا تقل أهميتهم عن الشخصيات البشرية، فنجده يقول «معجزة كاملة تجسدت بوصول الفرس المسماة الحمامة التى تشبه كتلة الضوء» كان الفارس يحاول ما استطاع، السيطرة على كتلة الضوء المتقافزة تحته، كتلة الضوء التى تعانده غير عابئة بذلك الألم الجارح الذى يسببه اللجام، الألم الذى يتصاعد همهمات محترقة مع حرارة اللهاث. تطلعت كتلة الضوء إلى أعلى وهى تطلق صهيلها المجروح، عند ذلك صاح الحاج محمود: يا رجال، هنالك حُرّة تستغيث، أجيروها».


وتأخذنا الرواية من خلال شعرية اللغة والغوص فى تاريخ وأصالة فلسطين فنشرب القهوة من المهباش فى «المضافة»، ونسمع كسر الصحون: عادة مُكلفة مؤدبة تعلن رغبة الشباب فى الزواج، ونرتجف عندما يُقسم خالد: علىّ الطلاق زوجتى أحلى من الشمس والقمر، فيتورط فى طلاق زوجته ثلاث مرات!
يتحول الحاج خالد المناضل الفلسطينى إلى أسطورة: «تحول خالد إلى حكاية يتناقلها الكبار والصغار، يرددون حكاياته عن ياسمين، ويؤكدون حكايته مع الدرك التركى، بحيث أصبح جزءا من خيال الصغار فى الهادية ولم يعد غريبا أن يطلب طفل من أمه أن تسرد له حكايات خالد قبل النوم، كما تسرد قصص: نص إنصيص، وجبينة، والشاطر حسن، وست الحسن والجمال»


ستظل الرواية الفلسطينية «زمن الخيول البيضاء» للكاتب «إبراهيم نصر الله» حكاية يتناقلها القارئ العربى، بشغف وحرص، حتى لا ننهزم، فكما ورد على لسان الرواى: «لا يمكن لأحد أن ينتصر إلى الأبد، لم يحدث أبدًا أن ظلّت أمة منتصرة إلى الأبد، لستُ خائفًا من أن ينتصروا مرة وننهزم مرة أو ننتصر مرة وينهزموا مرة أنا أخاف شيئًا واحدًا، أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذى ينكسر للأبد لا يمكن أن ينهض ثانية قل لهم: احرصوا على أن لا تُهزموا إلى الأبد».



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...