تقويم التقويم الهجرى «المنحرف»

محمد داوود



 تقويم التقويم الهجرى «المنحرف»



يأتى رمضان هذا العام فى عز الحر مبكرًا -كالعادة- عن موعد العام الماضى بـ١١ يومًا وربع اليوم، تمثِّل الفرق بين السنة الموسمية الفصلية -٣٦٥٫٢٤٢٢ يوم- والسنة القمرية الهجرية -٣٥٤٫٣٦ يوم- هذا الفارق، ١١٫٢٥ يوم، يتضاعف فى السنة التالية ويصل إلى شهر قمرى، ٢٩٫٥ يوم، فى السنة الثالثة من بعد الشهر الثامن، أى أن مجموع الانحراف ١١٫٢٥+١١٫٢٥+٧= ٢٩٫٥ يوم، خلال ١٢+١٢+٨= ٣٢ شهرًا قمريًّا، وتدور السنة القمرية برمضانها وعيديها والحج على فصول السنة كل ٣٢ سنة.


وكلمة تقويم تعنى جعل المعوج المنحرف مستقيما، بهذا لا يمكن اعتبار التقويم القمرى الحالى «الهجرى» تقويمًا، هذا انحراف واضح، وطول النهار فى شهر رمضان صيفًا يتراوح بين ٢٠-٢٢ ساعة فى البلاد الواقعة شمال خط العرض ٦٠ من نصف الكرة الأرضية الشمالية بما فيها القطب الشمالى.

أما هنا فيعانى الصائمون فى الحر لساعات طوال، ولا يستقيم الانحراف إلا بإضافة شهر مقوِّم كل ٣٢ شهرا هجريا، فيثبت رمضان وموسم الحج فى مواعيد ثابتة مع فصول السنة، وكان هذا هو الحاصل قديمًا حتى أُلغى الشهر المقوِّم فى ظروف تاريخية غامضة، كان رمضان يأتى دائما بين سبتمبر وأكتوبر وقت تساوى ساعات الليل والنهار شمال الكرة الأرضية وجنوبها، مع تقلُّص الفارق بين طول الليل والنهار لحده الأدنى فى القطبَين، وكان موسم الحج يأتى دائما فى الشتاء، ألطَف أوقات السنَة بالحجاز، فلا يموت الحجاج من شدة الحرّ.


ويكفى تحرى المصلحة العامة سببًا لنغير فورًا، لكن العقول التى تشكّلت بفعل الخطاب الدينى السائد تحتاج إلى موافقة ولى الأمر «الماضى» على كل خطوة فى الحاضر والمستقبل، وهناك ما يدل على أن الشهر المقوِّم كان مستعملا أيام الرسول والخلفاء الراشدين حتى حُذِف؛ فتاهت شهور السنة الهجرية بين الفصول. من ذلك:


١- موقعة اليرموك الشهيرة بين المسلمين والروم. كتب المؤرخون الغربيون أنها حصلت فى ٢٠ أغسطس آب، سنة ٦٣٦م، وفى المصادر الإسلامية، ومنها كتاب «البداية والنهاية»، ثلاث روايات؛ الأولى عن الحافظ بن عساكر، أن المعركة وقعت فى ١٥ هجرية، والثانية عن محمد بن إسحق، أنها فى رجب ١٥ هجرية، والثالثة عن خليفة بن خياط الكلبى، أنها فى الخامس من رجب ١٥ هجرية.


وبمقارنة التاريخَين نجد أن 5 رجب موافق للعشرين من أغسطس فقط فى وجود الشهر المقوّم. وهذا دليل حسابى لا يقبل الشك أن التقويم الهجرى حتى معركة اليرموك كان يعتمد على وجود هذا الشهر المقوم، وبغير ذلك يستحيل أن يصادف الخامس من رجب العشرين من أغسطس فى ٦٣٦ ميلادية.


٢- عمر الرسول عند وفاته بكتب السيرة، ٦٣ سنة، لا يمكن أن يكون كذلك إلا فى وجود الشهر المقوّم، فبالحسابات طبقًا للتقويم الحالى وبدون وجود هذا الشهر يكون عمر الرسول حوالى ٦٥ سنة.


٣- لمعانى أسماء الشهور العربية «القمرية الهجرية» ارتباط بالفصول:


محرم: تسمية هذا الشهر كانت من الرسول تأكيدًا على بداية الأشهر الحرم الأربعة التى حُرِّم فيها القتال وصيد البرّ، وكان اسمه فى الجاهلية صفر أول، ويتراوح دومًا بين يناير وفبراير.


صفر: حيث يصفر الفرق بين طول الليل والنهار لتساويهما، واسمه كان قبل الإسلام «صفر ثان»، ويتراوح دومًا بين فبراير ومارس.


ربيع أول: أى بداية الربيع، دلالة على أن قدوم هذا الشهر يصادف بداية فصل الربيع، ويتراوح دوما بين مارس وأبريل.


ربيع ثانٍ: إذا تأخر تفتُّح الزهور لهذا الشهر، تكون إشارة للعادّين -المهتمين بعدِّ الأيام والتقويم، أى الفلكيين- إلى انزياح التقويم، ووجوب إضافة الشهر المقوِّم ليعود فصل الربيع فى شهر ربيع أول من السنَة القادمة، وهذا الشهر يتراوح دوما بين أبريل ومايو.


جماد أول: دلالة على أن قدوم هذا الشهر يصادف بداية جماد الحبوب فى سنابلها، كتبشير لبداية موسم الحصاد، وهو يتراوح دوما بين مايو ويونيو.


جماد ثان: إذا تأخر موسم الحصاد إلى هذا الشهر، تكون إشارة للعادّين إلى انزياح التقويم، ووجوب إضافة الشهر المقوّم ليعود أول الحصاد من السنة القادمة فى جماد أول، وهو يتراوح دوما بين يونيو ويوليو.


رجب: يُقال رجّب الشىء -بتشديد الجيم- أى عظَّمه، وكانوا فى الجاهلية يعظِّمون هذا الشهر الذى يتراوح دوما بين يوليو وأغسطس.


شعبان: وسُمى كذلك لتشعُّب الأعراب فى البادية طلبًا للماء بعد الصيف الذى استنفد أكثر مياه الشتاء، ويتراوح دوما بين أغسطس وسبتمبر.


رمضان: وسُمى كذلك من تسمية أول مطر بعد الصيف فى بداية الخريف شمال خط الاستواء وبداية الربيع جنوبًا، ويقول البدو عن أول مطر بعد فصل الحر «الرمض والرمضان»، وكان رمضان يتراوح دوما بين سبتمبر وأكتوبر.


شوال: سمى كذلك لأن العرب لاحظت أن الناقة تشول بذنبها مع دخول موسم تزاوجها، ويتراوح دوما بين أكتوبر ونوفمبر.


ذو القعدة: دلالة على دخول الشتاء بشدة رياحه، حيث كانوا يقعدون ولا يرحلون، ويتراوح دوما بين نوفمبر وديسمبر.


ذو الحجَّة: سمى كذلك لأن العرب تعارفوا على أن يحجوا فيه إلى مكة وينشطون تجاريًّا، ويتراوح دوما بين ديسمبر ويناير.


ولا يُعقَل اتفاق معانى أسماء تلك الأشهر مع المواسم الفصليَّة إلا بثباتها، أى بوجود الشهر المقوّم فى التقويم القمرى العربى.


وفى آخر السنَة القبطية، أيام نسىء، وهى خمسة أيام فى ثلاث سنوات متتالية، وفى السنة الرابعة تكون ستة أيام.

والهدف ضبط التقويم مع الفصول، فيظل مجىء شهور كياك وطوبة وأمشير مثلا، مع الشتاء. والنسىء معناه فى اللغة «العقيب»، أى كل ما يأتى متأخرًا، وهذا يستدعى الآية ٣٧ فى سورة التوبة «إنما النسىء زيادة فى الكفر يُضَل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرِّمونه عاما ليواطئوا عِدَّة ما حرَّم الله»، والتفسير أن الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية من تحريم أربعة أشهر من السنة عددًا لا تحديدًا بأسمائها، فيؤخرون بعضها أو يقدِّمونه ويبدلون مكانه من الأشهر حسب هواهم، إن ذلك زيادة فى الكفر، يضل الشيطان به الذين كفروا، يحلّون الشهر الذى أخروا تحريمه عامًا، ويحرِّمونه عامًا؛ ليوافقوا عدد الشهور الأربعة.


ولا علاقة بين النسىء الوارد فى الآية، والشهر المقوّم الذى يسمى هو أيضًا «النسىء»، ويجب إعادته للسنة الهجرية حتى تكفّ عن الدوران بنا وتثبت مع فصول السنة، ككل التقاويم القمرية بالأرض حتى فى الصين، ويضيق المجال عن عرض تاريخ التقويم الشمسى الميلادى، وخلاصته حرص العقل الغربى على تتبع الفروق الضئيلة حتى ينضبط التقويم تمامًا مع دوران الفصول الموسمية، بينما يزعم سدنة الخطاب الدينى صاحب المفاهيم المتحكمة فى العقل عندنا، أن دوران الشهور الهجرية مع الفصول ابتلاء من الله، وأن أجر الصوم والحج على قدر المشقَّة، وهذا الكلام محض تبرير، وعزوف عن الحقائق الفلكية فى دوران الأرض والشمس والقمر المنضبط لفتافيت الثانية، ويحتاج تقويم التقويم الهجرى لعمل مؤسسى مرتبط أساسًا بدار الإفتاء، والأزهر، والسعودية، لأجل الحج.

ولو لديهم مرونة وتطوُّر، لجمعوا المتخصصين وفوضوهم للتغيير، لكننا لكثرة ما مرَّ بنا، نعرف، مقدَّمًا، أن هذا الطرح مرفوض من حيث المبدأ جمودًا وعنادًا واستكبارا، وطلبًا للعُسر واجتنابًا لليُسر.



أقرأ أيضا