الموسيقى المحرَّمة ظلم فى المذاهب الأربعة

عصام الزهيري



 الموسيقى المحرَّمة ظلم فى المذاهب الأربعة



تعمل نصوص القرآن الكريم على تنمية حس جمالى لدى قارئها يستطيع أن يستشف منه وجود منظومة جمالية كونية شاملة مضيئة، يتجاور فيها الجمال الحسى والجمال المعنوى، الجمال المادى والجمال الأخلاقى، الجمال الذوقى والجمال الاستعمالى.

وبوسعنا أن نعتبر الجمال – قرآنيا – منتجا أساسيا من منتجات العلاقة الإنسانية بالكون، جمال فى الطبيعة، وجمال فى الأحياء، وجمال فى الأشياء، بحيث يحيا الإنسان بكامل كينونته وينغمس بتمامه فى حاضنة جمالية متعددة المعانى والمستويات، تسبغ على الوجود مظهرا منسجما من الذوق والتناسق والإيناس، وتحض على تربية الخبرة الجمالية والاستمتاع بها لحظيًّا، مظهرا ومخبرا، شكلا ومضمونا، خارجيا وداخليا، حتى الأخلاق والفضيلة ذاتهما يفهمهما القرآن الكريم فهمًا جماليا، ويجعلهما لونا من ألوان الجمال المعنوى المرتبط بالفطرة.


ولك أن تعود فى تأكيد هذا الحكم إلى ما لا ينحصر من نصوص الكتاب، فالصبر جميل «واصبر صبرا جميلا» «المعارج:5»، والهجر جميل «واهجرهم هجرا جميلا» «المزمل:10»، والسراح جميل «فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا» «الأحزاب:49»، والصفح جميل «فاصفح الصفح الجميل» «الحجر:85»، أما تلك الآيات التى تتحدث عن زينة الأرض والسماء، زينة المال والبنون، زينة الكواكب والبروج، زينة البر والبحر، والتى تتحدث عن الحسن والإحسان والحسان، والطيب والطيبات والطيبين، فحدث واستفض..
لكن الغريب أنه كان لوضّاع الأحاديث والسلفيين وأصحاب الكذب على النبى طيلة العصور الماضية رأى آخر مخالف نقيض، أو كانت لهم رؤية أخرى بالأصح محورها القبح الشامل والانحياز التام النهائى للانقباض والتجهم والعتامة.

وهى رؤية تناقض وتختلف تماما عن رؤية القرآن الجمالية للكون والإنسان، بحيث تحدث قطيعة شاملة معها، وهو الأمر الذى يؤكد ربما ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن تأسيس منظومة الحديث فيما بعد القرن الثالث الهجرى كان بمثابة تأسيس سلطة جديدة، نصيا واجتماعيا، تختلف عن السلطة التى تأسست على قاعدة النص القرآنى ما قبل ذلك، أو على الأقل تنازعها سلطتها، وهم يعتبرون تأسيس سلطة الحديث وأهله نتاجا ارتداديا ترتب على الهيمنة العربية خلال الفتوح الإسلامية.


ولن نجد فى غير مسألة مثل «تحريم الموسيقى» أو التى اشتهرت باسم «تحريم الغناء والمعازف» دليلا أقطع على وجود وعمل وفاعلية هذه السلطة النصية التى حاولت ولا تزال، أن تكون سلطة قائمة بديلة لسلطة النص القرآنى، وهى سلطة حاول وضّاع الأحاديث والسلفيون والمتنطعون تأسيسها، ولا يزالون إلى اليوم يوالون العمل عليها بالمخالفة لفلسفة ومفاهيم النص القرآنى المركزية، فهناك غزارة مدهشة وكثرة لا معقولة فى الأحاديث الموضوعة، وكلها منتقدة المتن والأسانيد، مرفوضة بالرواية والدراية، تحرم كلها الغناء والموسيقى إلى الحد الذى دفع بعض كبار الفقهاء عبر التاريخ الإسلامى إلى التصدى لها، على رأسهم الفقيه الظاهرى «ابن حزم الأندلسى» فى كتابه «المحلى»، وفى رسالته التى خصصها «الغناء الملهى أمباح هو أم محظور».


فى هذه الهجمة العنيفة الشرسة ضد جماليات الموسيقى والغناء تمت الاستعانة بكل أشكال المدونات الساقطة وبأسلحة الكذب الفاضح على النبى، وبدأت بمحاولة حصر معنى «لهو الحديث» فى الآية السادسة من سورة «لقمان»: «ومن الناس من يشترى لهو الحديث» باعتباره الغناء والموسيقى، وهى محاولة باءت بالفشل لأن المفهوم من لهو الحديث لم يكن منذ العصور الإسلامية الأولى كما تؤكد التفاسير والمدونات المبكرة غير الكفر والشرك بالله، ووضعت، ليس على لسان النبى -صلى الله عليه وسلم- فقط، ولكن على لسان الله جلّ وعلا ذاته، تحريمات وتشديدات ضد الغناء والموسيقى وعقوبات صارخة لمرتكبها، فتقرأ منسوبا للنبى: «إن الله حرم المغنية (المقصود الجارية المغنية) وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها»، وفى رواية: «من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه».


وفى تصاعد يبدو هستيريا ولا عقلانيا للهجمة على الموسيقى والغناء، تقرأ: «الغناء ينبت النفاق فى القلب»، وتقرأ: «المغنى أذنه بيد شيطان يرعشه حتى يسكت»، وفى البخارى بغير مسند: «ليكونن فى أمتى قوم يستحلون الخزّ والحرير والخمر والمعازف»، و«من استمع إلى قينة صبّ فى أذنيه الآنك (الرصاص المصهور) يوم القيامة».


بل إنه فى رواية يسأل أحدهم رسول الله: «يا رسول الله لى إبل فأحدو فيها، قال: نعم، قال: أفأغنى فيها؟؟، قال: اعلم أن المغنى أذناه بيد شيطان يرغمه حتى يسكت»، وفى هذا الموضوع الذى يحرّم الغناء حتى للإبل يذكر «ابن حزم» أن من رواته «عبد الملك وهو هالك والعمرى الصغير وهو ضعيف».


وبعد.. يذهب الوضّاع والسلفيون مذهبا ترهيبيًّا مرعبا فى تحريم الغناء والموسيقى حين يهددون أهلهم بالعصف والقذف والخسف والتحول إلى قردة وخنازير، وهو حديث يقول: «تبيت طائفة من أمتى على لهو ولعب وأكل وشرب فيصبحون قردة وخنازير يكون فيهم خسف وقذف وتبعث على حى من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم باستخدام الحرام ولبسهم الحرير وضربهم الدفوف واتخاذهم القينات».


وعلى النطاق الفقهى لن يعدم الباحث العثور على ترديد متواتر لفتاوى على المذاهب الأربعة تنحو هذا المنحى العجيب من العداء للجمال، وتنسب لرؤوس المذاهب أنفسهم وصولا إلى فقهائها فى مختلف العصور، فقد روى عن أبى حنيفة مثلا فى كراهة الغناء، وعن ابن حنبل روايتان فى الكراهية والتحريم، وعن مالك فى تحريم «الغناء الذى أحدثه الفساق فى المدينة»، وعن الشافعى فى تحريم «الغناء الذى أحدثته الزنادقة ببغداد»، وكأن الغناء لا يحدثه إلا الزنادقة والكفار والفساق!. ويقول ابن تيمية كعادته فى الإطلاق والمبالغة والتكفير: «المعازف هى خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك، ومالوا إلى الفواحش، وإلى الظلم، فيشركون، ويقتلون النفس التى حرم الله، ويزنون، وهذه الثلاثة موجودة كثيرًا فى أهل سماع المعازف».


والشاهد والمحصلة، فى تقديرى، أن هذه الهجمة على الغناء والموسيقى التى تتوعد مقترفهما بالويل والثبور، وتميل إلى ربطهما بعمل الكفار والمشركين والزنادقة والفساق، لا يمكن فهمها بعيدا عن فكرة تأسيس إسلام أصولى «حديثى نصى» آخر يعادى الجمال ويميل للقبح، وما يؤكد هذه المحاولة توفر شواهد قوية منحازة للجمال وحضور استشهادات قاطعة مضادة لمحاولة تحريم الغناء والموسيقى من سيرة النبى تكذّب كلها عمل السلطة البديلة المنحازة للقبح والمعادية للجمال.


من بين هذه الشواهد حديث عن السيدة عائشة، وهو مذهل فى وضوحه وصراحته، تروى فيه كيف دخل عليها أبوها -أبو بكر الصديق رضى الله عنه- فى أيام العيد وعندها جاريتان من الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر: «أمزمار الشيطان فى بيت رسول الله؟»، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا أهل الإسلام».


وفى حديث آخر رواه ابن ماجة وأحمد، أنه «لما أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار جاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: أهديتم الفتاة؟ –يعنى زففتموها؟- قالت: نعم، قال: أرسلتم معها من يغنى؟، قالت: لا، فقال: إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول أتيناكم فحيانا وحياكم»، وفى رواية أن النبى قال: «ما فعلت فلانة؟ فقلت: أهديناها إلى زوجها، قال: هل بعثتم معها بجارية تضرب بالدف وتغنى؟، قالت: تقول ماذا؟، قال: تقول أتيناكم فحيانا وحياكم ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم ولولا الحبة السمراء ما سمنت عذاريكم».


فما الذى يمكن أن يبقى إذن لسلطات القبح والعتمة والعداء للنور والجمال..؟!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.