طقوس المصالحات الثأرية فى الصعيد




 طقوس المصالحات الثأرية فى الصعيد



ليس دور الشاعر والمبدع عموما أن ينعزل فى برجه العاجى، كى يكتب قصائد منقطعة الصلة بواقعه وبمن يحيطون به، ناظرا إليهم جميعا نظرة دونية، كأنه إلههم، وهم رعاياه الذين عليهم تقبيل يديه وقدميه صباح مساء.

غير أن فتحى عبد السميع أدرك دوره المنوط به كمبدع، فاهتم بمجتمعه الذى يعيش فيه، وقام بدراسة مسألة فى غاية الأهمية بالنسبة لمن يعيش بينهم، وهى مسألة الثأر التى تتسبب فى إراقة الدماء كل حين. هذه الدراسة وضعها عبد السميع فى كتابه الجيد والمهم «القربان البديل.. طقوس المصالحات الثأرية فى جنوب مصر» الصادر حديثا عن الدار المصرية اللبنانية.


عبد السميع يقول فى مقدمته إن مشكلة العنف تمثل واحدة من أخطر المشكلات التى أضفت على مسيرة الإنسانية بُعْدا كريها، إذ تسببت فى فظائع وآلام تقشعر لها الأبدان، وتُظهر الإنسان فى صورة وحشية، تعرقل صورته المنشودة بوصفه كائنا عاقلا يسعى للعمران، لا للتدمير والفتك بأخيه الإنسان.

ويكمل قائلا إن الإنسان كثيرا ما لجأ، فى مواجهة مشكلة العنف، إلى العنف المضاد كوسيلة لردع العدوان، وقمع العنف، وكثيرا ما كان العنف المضاد وسيلة لمضاعفة المشكلة بدلا من حلها، وبجوار هذا المنهج قدم الإنسان منهجا آخر لمواجهة العنف باللا عنف، وهذا منهج راسخ فى الثقافة الإنسانية، لكنه بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والترسيخ، خصوصا أن مشكلة العنف تتفاقم بمنتهى الغرابة فى عصرنا الحالى الذى يقوم على العقلانية ويدّعى انفصاله الهائل عن العصور الوحشية والبربرية.


فى كتابه هذا يحاول عبد السميع أن يرصد ويحلل منهج اللا عنف فى الثقافة الشعبية، كما يتجلى فى فض الخصومات الثأرية، وقد اتخذ من الممارسات الثأرية فى جنوب مصر ميدانا له، إذ يشتهر الجنوب باتخاذ العنف المضاد وسيلة وحيدة للتصدى لمشكلة العنف، وتلك الشهرة تتجاهل منهجا آخر يقوم على التصدى للعنف من خلال اللا عنف وهو منهج فعال يعبّر عن الحكمة والعقلانية، تحققت من خلاله إنجازات ضخمة جدا، فضّت خصومات وتناحرات كثيرة حافظت على أرواح وأوقفت سيلان دماء غزيرة.


وعبد السميع يرى أن الحل القضائى قد فشل فى فض المنازعات الثأرية، لأنه ينبع من قواعد عامة لا تفرق على سبيل المثال بين طبيعة حدث القتل فى مدينة القاهرة وقرية فى صعيد مصر، بينما نجح منهج القودة أو ما يُعرف باسم ردم حفرة الدم فى القيام بهذا الدور.


فى فصل كتابه الأول يبدأ عبد السميع بتعريف القربان وذكر أنواعه، مارًّا بالقرابين الإنسانية فى ثقافات مختلفة، بينما يُعرّف فى الفصل الثانى طقس القودة ويحدد السمات القربانية فيه والعناصر الطقسية التى تقوم بدور القربان، ثم يخصص الفصل الثالث لعلاقة الطقس بالهوية، بينما يحاول أن يسهم فى الفصل الرابع فى دعم فض المصالحات الثأرية، من خلال مناقشة ثنائية الثأر والتسامح وتفنيد ما سمّاه بأسطورة التسامح المستحيل لأنها واسعة الانتشار وتقوم على اعتقاد أن التسامح مستحيل.

ثم يقف عبد السميع فى الفصل الأخير أمام علاقة المصالحات الثأرية بالفن بوصفه من الوسائل المهمة التى تصنع رقى الأفراد والمجتمعات. وعن أزمة التسامح يقول عبد السميع إنها أزمة مدنية حديثة، حيث تسود الأيديولوجية، خصوصا أن الناس فى ظل هذه المدنية ليسوا جماعة عضوية تقوم على المحبة والتعاون، بل يعيشون فى تجمعات تؤدى إلى شعور أفرادها بالغربة، بينما يرى عبد السميع أن المجتمعات التقليدية أكثر قُربا وتسامحا من المجتمعات الحديثة على عكس ما يذهب إليه البعض.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..