ماء زمزم.. وتسويق الرمز الدينى




 ماء زمزم.. وتسويق الرمز الدينى



طبيب سعودى اسمه فيصل شاهين، اختصاصى أمراض الكلى والمسالك البولية، يحذّر مرضى الكلى من تناول ماء زمزم لاحتوائه على بعض المعادن الضارة بالكلى، ثمّ يأتى الطبيب المصرى خالد منتصر، رئيس قسم الجلدية والتناسلية بجامعة قناة السويس، فيستشهد بكلامه باعتباره طبيبًا اختصاصيًّا فى مجاله فضلا عن كونه سعوديًّا، فتقوم الدنيا ولا تقعد وتتوالى الاتهامات كالعادة: علمانى، مرتد، فاسق، صليبى، وغيرها من مفردات قميئة وألفاظ بائسة نجيد استخدامها كلّما أعيتنا الحيلة، وعجزنا عن تلقّى كل فكر يتعارض مع موروثاتنا الدينية والثقافية التى يؤطّرها الجمود والتقليد والتبعية الماضوية.


 كان الدكتور خالد منتصر ضيفًا فى ندوة تتناول خطورة الربط بين الدين الثابت والعلم المتغيّر، وقال فيها: «إنّ بحثًا أثبت أنَّ ماء زمزم يحتوى على معادن سامة ضارة بالكلى»، وأنَّ صاحب هذا البحث المنشور مواطن سعودى، ثم أضاف: «ماء زمزم تحول من شعيرة دينية إلى بيزنس».. بعدها قامت المواقع الإلكترونية والصحفية، ومواقع السوشيال ميديا بإقامة «حفلة تشويه» معنوية للرجل، وتداولت تلك المواقع مقطع فيديو صغيرًا مُجتزئًا من تلك الندوة التى تجاوزت ساعتين زمنيتين، ممّا أثار حالة من البلبلة والتشويه لكلام الرجل الذى تناول الموضوع من زاوية طبية تخصصية لا من زاوية دينية تقدح فى رمز أو تعمل على تشويهه والتصغير من شأنه.


اعتبر المهاجمون للرجل أنّ ماء زمزم رمزٌ دينى بالرغم من أنّ بئر زمزم قد نبع ماؤه وفار قبل ظهور الإسلام، وكان يشرب منه المشركون قبل ميلاد النبى الكريم «صلى الله عليه وسلم»، كما كانوا يسقون منه الحجيج فى الجاهلية حيث كانت السقاية - آنذاك - لبنى هاشم، أما لو أنهم أعملوا عقولهم بعيدًا عن الأفكار الماضوية لاعتبروا الرجل مدافعًا ومنافحًا عن ذلك الرمز الدينى الذى ينبغى علينا – كمسلمين – أن نقبله على وجه التعبّد لله دون أن نتطرّق إلى إلباسه ثوب العلم، إذ إننا لو ألبسنا الرمز الدينى ثوبَ العلم لخسرنا الدين ولخسرنا العلم خسرانًا مبينًا، ولعلّ فى موقف الصحابى الجليل عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – من الحجر الأسود ما يجلى هذا المنْحَى؛ فقد رُوِى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَالَ: إِنِّى لَأُقَبِّلُكَ وَإِنِّى لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [أَخْرَجَاهُ فِى الصَّحِيحِ]، وقد عقّب الأستاذ الإمام محمد عبده – رحمه الله – على ذلك الحديث بقوله: وَالْحَدِيثُ يُرْشِدُنَا إِلَى أَنَّ الْحَجَرَ لَا مَزِيَّةَ لَهُ فِى ذَاتِهِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّمَا اسْتِلَامُهُ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فِى مَعْنَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَجَعْلِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا تَوَجُّهًا إِلَى اللهِ الَّذِى لَا يُحَدِّدُهُ مَكَانٌ، وَلَا تَحْصُرُهُ جِهَةٌ مِنَ الْجِهَاتِ.


فالدكتور خالد منتصر إنما أراد ألا نربط بين الرمز الدينى والعلم، فالرمز الدينى إنما نُجلّه ونعظّمه؛ لأن الله أمرنا بذلك على سبيل التعبّد لا غير، فليس من اختصاصنا أن نبحث عما وراء ذلك بحال من الأحوال، خصوصًا إذا حاولنا الربط بين الرمز الدينى، أى رمز، والعلم، ولعلّ ذلك هو ما جعل الدكتور خالد منتصر يقول بعد ذلك عن الصيام: «هل نحن نصوم لأن الصيام فريضة أم لأن الصيام مفيد للكبد والكلى؟! إذا سوَّقنا المفهوم الثانى سيصبح خطرًا على الدين؛ لأن ممكن عالم يقول إنه فى اليوم الحار 18 ساعة دون مياه لن تستفيد الكلى مثلما تقولون، ما هو الموقف حينها؟! إذن نحن نضر الدين ولا ننفعه».


 إنّ الرجل لم يقدح فى ماء زمزم، ولم يمنع أحدًا عن الشرب منه والارتواء، ولم يدعُ إلى إلغاء فريضة الحجّ، لم يدع الرجل إلى أىّ من ذلك قط، بل يدعو إلى التعبد دون إلباس ذلك التعبد لباسًا علميًّا حتى لا نربط الثابت «الدين ولوازمه»، بالمتغيّر «العلم ونظرياته المتباينة»، لكننا تعلّمنا تسويق الدين عبر حالة من الفصام الذى لا وجود له سوى فى بلادنا التى تحترف تسليع الدين، وتسويق رموزه على أنها بضائع ينبغى أن نجنى من ورائها الملايين، ولعل ذلك الأمر يضرب بجذوره فى أعماق التاريخ، فقد استفاد «عبد المطلب» من هذه البئر، ماديًّا وأدبيًّا، وصارت ملكًا خالصة له، على الرغم من محاولات زعماء مكة والمنافسين له مساهمتهم له فى حق هذه البئر؛ لأنها فى أرض الحرم، والحرم حرم الله، وهو مشاع بين كل أهل مكة، وصار يسقى الحجاج من هذه البئر، وترك السقى من حياض الأدم التى كانت بمكة عند موضع بئر زمزم، وصار يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقى الحاج. [أخبار مكة: 285 وما بعدها].


وليت المشكلة تتوقّف عند حدود المواقع الإلكترونية ومواقع السوشيال ميديا، إذن لهان الأمر وانتهى، لكنّ نفرًا من الصحفيين والكُتّاب اتّخذ من كلام الرجل سبيلًا إلى التلسين وتأليب الناس عليه وكأنهم فى تحالف مع جماعات الخراب الدينى التى تتلمّظ لكل فكر ورأى يخالف رأيها وفكرها إن كان – أصلًا – ثمّة رأى أو فكر عندها، فتصم صاحبه بالعلمانية تارة أو الكفر والردّة تارة ثانية، أو الانحلال والتفسّخ الأخلاقى تارة ثالثة، أو تصم صاحب كل رأى وفكر وعقل بكل أولئك التّهم فيما هى تنتظر من يقتله باسم الدين.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.