أكتوبر العظيم فى الاستراتيجيات العالمية

د.هويدا صالح



 أكتوبر العظيم فى الاستراتيجيات العالمية



كتاب «6 أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية» لجمال حمدان، الذى أعادت طباعته مكتبة الأسرة، يقدم لنا تحليلا رائعا لحرب أكتوبر بعيدا عن الضربة الجوية الأولى وصاحبها الذى أثار الجدل طوال عقود حين اختصر نصر أكتوبر بما له من جلال وعظمة فى الضربة الجوية، على أهميتها التى لا ينكرها أحد، ونسى أن هذا النصر إنما هو نتاج تنسيق كل أسلحة الجيش المصرى وشريكه فى المعركة الجيش السورى.

يقدم جمال حمدان الكثير من التفاصيل والتحليلات عن حرب أكتوبر لا على الجبهة المصرية والسورية فقط، بل استعرض الكثير من الآراء والتحليلات العالمية والإسرائيلية لكيفية العبور العظيم.


أفاد حمدان من الانضباط المنهجى فى تقصى هذا الحدث العظيم والاستراتيجية الفريدة لحرب أكتوبر عام 1973.

يبدأ المؤلف بالحديث عن شبه جزيرة سيناء، ووصف ديموغرافيتها وعلاقة الإنسان بالمكان والجغرافيا. وتقديمها للقارئ كمسرح لأهم حدث فى تاريخ مصر الحديثة، سواء عند المصريين أو عند العالم.

وكشف عن أهمية سيناء كحلقة وصل بين قارتى إفريقيا وآسيا.

كذلك يقدم الكاتب الكثير من المعلوماتية المبنية على إحصاءات حول ما تتضمنه من موارد وثروات.


ثم يتناول حمدان معركة أكتوبر فى فصول متتالية، فيتحدث عن معركة التحرير الكبرى، ويكشف عن المعركة النفسية الضارية التى بذل فيها الصهاينة كل السبل لإحباط مشاعر كل العرب وليس المصريين فقط: «والجدير بالذكر أن العدو تابع حملته النفسية بانتظام وعن عمد وتخطيط لتحطيم أعصابنا ومعنوياتنا حتى آخر لحظة قبل أن يتلقى صدمة عمره بل وحتى بعدها، فكلنا لا شك ما زال يتذكر صرخة إليعازر الإرهابية (سندق لحمهم فى عظامهم) وصيحة المعلق العسكرى للإذاعة الإسرائيلية: (سنجعلهم يرون النجوم فى وضح النهار)، وقبل الحرب بيومين فقط قال إليعازر فى حديث للتليفزيون البريطانى ما مؤداه أن الجيش المصرى إذا حاول عبور القناة فسيجد أمامه أقوى خط دفاعى فى العالم، مما سيسبب له خسارة أكبر مما يظن القادة المصريون، وعلى الرغم من هذه الخسارة فلن يتمكن مصرى واحد من العبور إلى سيناء كما لن تتمكن دبابة مصرية واحدة من الوصول إليها».


الكتاب يتضمن قضايا وتحليلات شتى بصورة شاملة، وتوصل بنا إلى أن حرب أكتوبر لم تكن مفاجئة للعدو الصهيونى بل إن جولدا مائير فكرت فى الهجوم على الجيش المصرى فى الموعد نفسه تقريبا، لكن تظاهر العدو بالوداعة وحبه للسلام ومحاولة كسب الرأى العالمى وطمعه فى نصر أكبر من يونيو 67 جعله يفكر فى أن ينتظر ليسحق جيشنا، والقول إن الهجوم المصرى كان مفاجئا وإن إسرائيل أُخذت على حين غرة ما هو إلا محاولة من قبل العدو لتبرير هزيمته والتقليل فى الوقت نفسه من شأن نصر أكتوبر، فالهدف المصرى فى تحرير سيناء هدف معلن للجميع ومكان العدو معروف وكذا العقبات التى إذا ما اجتازتها قواتنا أيضا معلومة للجميع.


ويتطرق المؤلف إلى ملامح الخطة العسكرية لمواجهة إسرائيل فى عام، مشيرا إلى أنها بدأت مع ما يعرف بـالمبادأة، وهو ما كان العدو يحرص على تنفيذه طوال فترة الحروب السابقة. والعنصر التالى هو «المفاجأة»، وهى المكملة للمبادأة، مع الحرص على عامل السرية المطلقة.


ويوضح حمدان مفهوم «الحرب الشاملة»، شارحا أنها التى تجعل من المعركة العسكرية عملية ناجحة.

وهو ما يعنى أن كل عناصر موارد وقوة البلاد عملت من أجل إنجاز معركة عسكرية ناجحة: «كان محور النجاح وأساس التخطيط هو ضبط توقيت الضربات والتحركات من جانب جميع أسلحتنا وقواتنا فى ترتيب مسلسل بحيث يتزامن بعضها أو يتعاقب بعضها فى جدول زمنى محسوب، يمهد لبعضها البعض لكى يتم فى ظلها وبمساعدتها وتحت غطائها، ثم يسلم هو بدوره المهمة لغيره وهكذا، ومن هنا سنلاحظ تزامن عدة عمليات فى ثنائيات كالتوائم السيامية الملتصقة أبرزها ثلاث: الطيران مع المدفعية، المشاة مع المهندسين، المدرعات مع المشاة الميكانيكية».


ويجمع المؤلف لخطة العبور آراء الخبراء العالميين التى قررت بشكل صريح أن معركة أكتوبر من أكبر معارك التاريخ العسكرى الحديث، وشَكّل اكتساح أصعب عائق مائى مفاجأة كبرى للعالم كله، وليس للعدو وحده، فكتبت جريدة نيويورك تايمز: «إن العبور المصرى لقناة السويس كان بارع التخطيط والإعداد والتنفيذ». كما يركز حمدان على دور الجانب السورى فى معركة أكتوبر، مبينا أن المعركة جاءت فى ظل سياسة قومية تحريرية، وتحت استراتيجية عظمى مشتركة.. ثم بقيادة عسكرية موحدة، فكان التنسيق كاملا، توقيتا وتخطيطا وتصعيدا أو تخفيفا.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..