العلمانية ليست سُبّة وإنما حل للإنسان الحديث!

محمد سيد ريان



 العلمانية ليست سُبّة وإنما حل للإنسان الحديث!



قليلة هى المؤلفات التى حاولت اختراق الحواجز الدينية والفكرية التى أقامها المشايخ والفقهاء على مر العصور لمنع الاجتهاد وإعمال العقل فى كل ما يخص الدين، ومن تلك الكتب المهمة كتاب المفكر المعاصر عبد الكريم سروش «التراث والعلمانية البنى والمرتكزات، الخلفيات والمعطيات» والصادر فى طبعة جديدة عن منشورات الجمل بترجمة أحمد القبانجى.


وبداية ينبّه المؤلف إلى أنه بالنسبة إلينا نحن المسلمين الذين نعيش فى مجتمع دينى فإننا محكومون بذهنية لا نستطيع الفكاك منها، وهى أن قوانا نشأت وتبلورت داخل فضاء دينى، ولهذا السبب عندما نفكر ونحكم على الأشياء فإن أذهاننا تميل صوب أفكار متوغلة فى أعماقنا ولا يمكننا الإفلات منها، مضافًا إلى ذلك فإن عدم الاهتمام بالصراع بين العالم القديم والحديث يشير إلى سذاجة فكرية أكثر من دلالته على النضج الفكرى، فلا ينبغى أن نحسب هذه المشكلة محلولة ونتغافل عنها ونضعها فى زاوية النسيان، فكيف يتسنى للإنسان أن يصل إلى نتيجة حاسمة قبل أن يوفيها حقّها من الدراسة والتحقيق والتأمل.


كما يذكر الكاتب أن أحد المفاهيم التى يتميّز بها العالم القديم عن العالم الحديث هو مفهوم اليقين، بينما أصبح الشك هو مفهوم العالم الجديد، ومن هنا أصبحت العلمانية كظاهرة فكرية ونزعة نفسانية إحدى سمات العصر، وهنا يبين المؤلف الاختلاف فى النظرة إلى العلمانية كتعريف، فبينما يراد بها فى البلدان الغربية وصف حالة الإنسان المعاصر والحداثى، لكنها فى بلادنا تحمل حمولة سلبية وتطلق على بعض الأشخاص بمثابة السبة وأن الشخص العلمانى تابع للأجنبى.


ويتوقّف الكاتب عند نقطة مهمة وهى علمانية الأفكار، فطريقة تفكيرنا ورؤيتنا عن العالم وأحكامنا التى نصدرها عن الحوادث المختلفة كلها أصبحت علمانية، بمعنى أننا نرى العالم الذى نعيش فيه مستقلّاً عن العوالم الأخرى وقائمًا على أقدامه، وفى تحليلنا للحوادث وتفسيرنا للظواهر الطبيعية لا نجد أنفسنا بحاجة إلى أسباب وعوامل خارج الطبيعة وهذا معنى العقل العلمانى والعلم العلمانى.


ويشير الكاتب إلى حكاية «الحطاب والأفعى» التى طرحها جلال الدين الرومى فى ديوانه المثنوى، حيث يقول إن هذا الحطّاب عثر فى الجبل على أفعى متجمدة فأخذها وجاء بها إلى المدينة ليتفرّج الناس عليها ويكتسب بذلك بعض المال، فكان هذا الحطاب يتصور أن هذه الأفعى ميتة فجاء بها إلى إحدى مدن العراق، ولكن تلك الأفعى لم تكن ميتة بل متجمدة، وعندما جاء الحطاب بهذه الأفعى إلى المدينة وضعها على الجسر ليتفرّج عليها الناس الذين اجتمعوا من كل مكان ليشاهدوا هذه الأفعى، وحينذاك وبسبب حرارة أشعة الشمس دبَّت الحياة فى الأفعى من جديد، وتحرَّكت روحها وهجمت على الناس وقتلت بعض الأفراد.


هذه الحكاية الأسطورية يوضح الكاتب أن لها عدة نتائج مهمة، إحداها نتيجة أخلاقية وعرفانية مهمة وهى أن معظم الناس يعيشون فى باطنهم عناصر الرذيلة والخصال السيئة بصورة متجمدة، فإذا أشرقت عليها الشمس واكتسبت حرارة منها فإنها ستحيا من جديد، ولذلك من الأفضل للأشخاص الذين ما زالوا يملكون خصالاً ذميمة فى أعماق وجودهم أن لا يعرضوها للحرارة، لأن تلك الحيَّات والعقارب ستنشط وستقضى على صاحبها، وهذا الموضوع يصدق فى كثير من الأحيان على العاملين فى الحقل السياسى، فمعظمهم أشخاص جيدون أو عاديون ولكنهم عندما يصلون إلى مرتبة معينة أو منصب رسمى فإن شمس السياسة ستشرق على الأفاعى النائمة فى أنفسهم من قبيل الأنانية والحرص وستحيا هذه الأفاعى من جديد وإذا بهذا الشخص سيتحول فجأة إلى شيطان يمارس سلوكيات عجيبة بعيدة عن القيم والمُثل الإنسانية.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.