قصة الفقير الإسبانى النازح للشمال

محمد صلاح غازى



قصة الفقير الإسبانى النازح للشمال



تقدم رواية «الأمسيات الأخيرة مع تيريسا» تشريحا دقيقا للمجتمع الإسبانى فى فترة ما بعد الحربين الأهلية الإسبانية والعالمية الثانية، أولى روائع أعمال خوان مارسيه، والصادر عن المركز القومى للترجمة، ونقلته إلى العربية كل من، آمال عبد الحميد، وبسمة محمود، وسالى وهدان.


وتقوم أحداث الرواية على مرتكزين أساسيين، وهما الطبقة البرجوازية القطالونية وطبقة الفقراء فى الأحياء المعدمة فى جبل الكرمل وجيناردو.


بطل الرواية فتى فقير نزح إلى إقليم قطالونيا الغنى بحثًا عن لقمة العيش.

وهنا يطرح أديبنا قضية مهمة ما زالت لها رهنيتها اليوم فى إسبانيا وقطالونيا فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، قضية الهجرة من الأقاليم الفقيرة إلى الغنية فى القطر الواحد، ما يعانيه المهاجرون من الفاقة والتهميش والتميّز والازدراء.


يرسم خوان مارسيه تضاريس المكونات الاجتماعية فى الإقليم بدقة بالغة وبالكثير والكثير من الباروديا. فالبطل النازح من الجنوب يتمكن من الولوج إلى عالم البرجوازية القطالونية والمنغلقة على نفسها، والتى تنعم وحدها بالعيش فى بحبوحة وتراخ لا يقوى الفقراء على الحلم بهما. أولا بإقامة علاقة مع خادمة فى قصر أسرة ثرية ثم بالوقوع فى حب ابنة هذه الأسرة الثرية التى تدرس فى الجامعة، وأحداث الرواية هى تراوح مستمر بين الوسط الفقير فى الأحياء العشوائية حيث الفقر والسرقة والمشاحنات الدائمة، وبين وسط الأغنياء فى القصور والمنتجعات والوسط الجامعى حيث تدرس تيريسا وحيث يعم مناخ من الفوران الثورى النخبوى الناعم، والذى لا يمت إلى واقع قطالونيا المرير بأى صلة.

وهنالك إيحاء مستتر بجو كابوسى قمعى لا يشار إليه فى الرواية بشكل واضح، ونقصد بذلك إلى إسبانيا كانت تعيش تحت وطأة حكم الجنرال فرانكو.


ويرصد خط السرد الأساسى علاقة الحب بين تيريسا، الفتاة الثرية والطالبة الجامعية المنشغلة بالفكر الثورى نتيجة قراءتها الفكر اليسارى الفر نسى والذى لا يعدو كونه ترفا يمارسه البرجوازيون فى برشلونة، وبين مانولو الذى يعمل فى الظاهر فى ورشة أخيه لإصلاح الدراجات فيما يقوم فى الحقيقة بسرقة الدراجات النارية وبيعها.


وتتطور الأحداث ويحدث التقارب بين مانولو وتيريسا بناء على اعتقاد خاطئ منها بأن الفتى الجنوبى يعمل فى تنظيم سرى قوامه جماعات من عمال المصانع، فتنجذب إليه وتنشأ بينهما قصة حب، أما النهاية فمعروفة ومحتومة ووجودية، إذ ينفضح سر لص الدراجات ويزج به فى السجن.


وقيمة هذه الرواية تكمن فى لغة السرد وفى التجديد الروائى، إذ تتناءى عن أسلوب الواقعية التقليدية، فهى ترصد الواقع ولا تحاكمه، وتناقش الأفكار دون أن تلتصق بأى منها، وتراقب سلوك الأفراد ولكن دون أن تدينهم.

أما السرد نفسه فيتقدم فى عدة مستويات. فعلى الرغم من أن الرواية فى ضمير الغائب، فإنه من جنس الراوى الشريك حين يتعرض لشخصية البطل مانولو ثم يعود ليأخذ مكانه الطبيعى عندما يعامل بقية الشخوص، فى مقابل ذلك هنالك خط من السرد الموازى قوامه مجموعة من المناجاة الذاتية التى تعمق الدراما الحياتية لكل فرد من هذه الكائنات البشرية التى تعانى من أزمات وإضرابات وتناقضات هى حصاد مناخ اجتماعى وسياسى خانق. ومن السمات الرائعة لهذه الرواية نقاء الأفكار وتناولها، وكذلك الرسم الشفيف لمناخ الطبقات الاجتماعية التى يتنقل فيما بينها البطل.


فالشحنة الاجتماعية التى تحملها الرواية هى خليط من السرد الواقعى والفكر السوسيولوجى الثقافى الراقى المتأسس على سلوك مجموعة من الشباب المتأزم الذى يطرح أعراضا لمشكلات وأمراض لاحقة سيكشف عنها مرور الزمن، وذلك بأسلوب مجرد نزيه ومتدفق.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...