«الدرج» الذى حيّر الأستاذ إحسان.. و«ميمى» التى لا تعرف الهزيمة!

ماجدة الجندي



 «الدرج» الذى حيّر الأستاذ إحسان.. و«ميمى» التى لا تعرف الهزيمة!



فى مناسبة اليوبيل الفضى لمجلة «روزاليوسف» عام ١٩٤٩، كتب إحسان عبد القدوس مقالاً عن أمّه، الفتاة الصغيرة التى استقرت بمصر لتمزج دمها بترابها، والسيدة التى أيامها كلها حروب، انتصرت فيها موقعةً بعد الأخرى، ولم يكن لها سلاح إلا العناد.. السيدة التى ربحت كثيرًا حتى وصلت إلى المليون، وخسرت كثيرًا حتى باعت مصاغها.. الشخصية التى أحببناها جميعًا لأنها «تشخط» فى الجميع وتخصم من مرتبات الجميع، وتمزق مقالات الجميع.. ثم تبتسم للجميع فيجدون فى ابتسامتها حنان الأم وقسوة الأستاذة.. السيدة التى تصل إلى مكتبها فى الصباح لتحاسب «النحاس» و«النقراشى» و«صدقى»، ثم تعود إلى منزلها لتحاسب «الطباخ» و«تشكر» على الفراخ وتشترك فى تقشير البصل وتخريط الملوخية.

أرسل المقال إلى «الست روزا» ليعود إليه المقال ثانيةً مع تأشيرة: «يا بارد.. خلى غيرك يقول الكلام ده!» بعد أيام من رحيلها كتب إحسان مقالاً، كشف فيه ما فاجأه شخصيًّا «سلّمونى حزمة من الأوراق والمفاتيح، والرؤوس مُنكسة وفى عيوننا بصمات دموع.. ضممت المفاتيح بين أصابعى فى حنان ورفق، كأنى أضم يد أمى، وقرّبتها من فمى وقبّلتها، كما تعودت أن أقبل يد أمى.. إنها مفاتيح مكتبها!».. كان إحسان يعرف خريطة المكتب كاملة إلا درجًا واحدًا.. فى الدرج الأيمن العقود والاتفاقات، فى الدولاب دوسيهات، والدولاب الآخر مجلات وصحف قديمة، وفى الخزانة مسودات خطابات كانت ترسلها إلى رؤساء الحكومات، حين تعجز عن نشر مقالاتها عنهم بسبب الرقابة، كانت ترسلها لهؤلاء الزعماء!.. درج واحد لم يكن يدرى شيئًا عن محتوياته، ولم يثِر فضوله يومًا، فليس للست أسرار.. كان بالدرج صور لميمى أخته ولهم جميعًا معًا ومجموعة خطابات منه إليها، والأهم نوتة مفكرة بخط يدها، و«كشكول».. كان بالمفكرة خواطر بسيطة، معظمها موجه إلى إحسان: لا تفكر فى الفشل، إن الذى يفكر فى الفشل لا يعمل أبدًا... شبابك فى قلبك وفى إرادتك.. لا فى عمرك.. إنى ألاحظ أن ابنى يعترض على كثير من آرائى ثم لا يلبث أن يقتنع بها، وأنا لا يقلقنى اعتراضه، لكن يقلقنى أن يرجع عن معارضته.. إنه فى حاجة إلى أن يصبر قليلا قبل أن يعترض.

أما الكشكول فكان يروى مشوارها، قصة طفولتها.. ما لم تكن تتكلم عنه كثيرا.. أباها وأمّها.. محمد بدر الدين يوسف وجميلة.. سكرتيرتها التى اقتربت منها كثيرًا، السيدة مديحة عزت تقول عنها إنها كانت ترتاح كثيرًا فى استعادة ماضيها، قائلة: مَن لا ماضى له لا مستقبل له.. قال عنها مصطفى أمين إنها قارئة ممتازة، تعرف على الفور ما يجب نشره أو مكانه سلة المهملات.


أما الكبير محمد عودة، رحمه الله، فيصفها بـ«أول مَن يصل إلى الدار الصحفية وآخر مَن يغادرها».. هى روز اليوسف التى حاكمت رؤساء وزارة وعلّمت نفسها بنفسها، وباللغة العربية، وأول مَن أدخل إلى المهنة تقليد الاجتماع الدورى للجريدة أو المجلة، تكلف محررى الإصدار وتتلقى اقتراحاتهم.. كتب عنها كامل الشناوى مديحًا أنها «السيدة.. الرجل»، فردت: «لا يا كامل، لست رجلاً ولا أحب.. أنا فخورة بكونى سيدة، وعيب صحافتنا كثرة الرجال وقلة النساء».

لم يكن أحد يعلم بأمر المذكرات، حتى الأستاذ أحمد بهاء الدين الذى كان الأقرب إليها قلبًا وعقلاً من بين الشباب، لم يقرأها إلا مع الناس.. والكلام عن المذكرات، أما الذكريات، خبيئة رشاد كامل، فأمرها كان أكثر تعقيدًا.. كانت الكواليس.. والخلفيات الأكثر إنسانية عن السياسة، وإن لم تخلُ منها! وأهدتها إلى ابنتها «ميمى»، أو أرجعت لها فضل النشر؛ لأنها لولا الإلحاح الذى بالغت فيه ميمى ما كتبت «الست» عمّا جرى.. تقول فى الحلقة الأولى وتحت عنوان «أغسطس ١٩٢٥»:
بين حياتى الفنية وحياتى الصحفية حلقة تصل بينهما، وأيضًا تفصل بينهما.. كانت الحلقة فى حلوانى كساب الذى مكانه الآن سينما ديانا، وهو مكان كنت أرتاده، أنا ونفر من أصدقائى الصحفيين والأدباء والنقاد كلما انتهيت من عملى المسرحى.. فى تلك الليلة كان الموسم قد انتهى وشعرت بعودة حريتى إلىَّ وتخلصى من عناء البروفات، وتأهبت لاستقبال فصل الخمول.. وكان يبدأ مع تلك الليلة بالذات..
لكن الليلة وُلدت الفكرة التى خلدتها واستمرت لتصبح سيدة الصحافة العربية الحديثة بلا منازع، والتى كواليسها على قصرها من أكثف وأجمل، وربما أندر ما يعبر عن «الست روزا» التى لم نرَ لها نظيرًا، لا أمس ولا اليوم!



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.