ما وجه الشبه بين السلفيين وكفّار قريش

محمد عجلان



 ما وجه الشبه بين السلفيين وكفّار قريش



العادة سيدة الشر وقبضة الجهل فى وجه كل جديد، قاتلةُ روح الدين ومنتهكةُ بكارة العلم على الدوام، ما من نبى جاء أو عالم ظهر فى مكان أو زمان ما، إلا وكانت العادة أول عقبة وأخطرها فى طريقه نحو التغيير وأداء رسالته، تواجهه بكل ما أوتيت من سطوة على النفوس والعقول، تصل فى صراعها مع كل جديد حد قتل صاحب الدعوة أو صاحب الفكرة ذاته. مدعيةً أن المصلحة تقتضى الحفاظ على القديم كما وجدناه، وأن أى تغيير سوف يعود بالكارثة على الجميع، وكأن التغيير لعنة الآلهة المصبوبة فوق الرؤوس.

وتعددت رؤى وأهداف أنصار القديم، فمنهم من يقدس القديم بدعاوى التقوى والإيمان، ومنهم مَن يتمسَّك بقديمه، لأنه يحقّق مصلحته، مما يجعل أى تغيير مهددًا أساسيًّا لموازين تلك المصلحة.
وإذا رجعنا بالتاريخ إلى بداية العهد النبوى، سنجد أن صراع النبى، صلى الله عليه وسلم، تمثَّل أساسًا فى محاربة عادات وتقاليد موروثة وراسخة فى عقول وقلوب العرب آنذاك، وكانت من أمضى السيوف التى حورب بها النبى، «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون».

حالة واضحة لعبادة الأسلاف، أو بالمصطلح الحديث حالة «سلفنة» واجهت النبى فى طريق دعوته نحو التغيير.

كانوا يظنون كما يظن سلفيو اليوم أن كل ما جاء من الماضى فهو صحيح لا ريب فيه وغير قابل للتعديل، ودائمًا ينظرون إلى العصر الذهبى على أنه قد جاء فى ماضٍ ما ثم رحل، ولا سبيل لاستعادته إلا بالسير على خطى القدماء، كتفًا بكتف وقَدمًا بقدم.


ونظرة السلفيين -قديمًا وحديثًا- إلى الماضى على درجات، فمنهم من تصل نظرته حد التقديس، ومنهم مَن يتطرَّف فتصل حد العبادة، دون الأخذ فى الاعتبار اختلافات الزمان أو المكان أو الثقافة، فالخير يحمله الماضى، والشر صناعة الحاضر المُدان لديهم دائمًا.

لكن من المؤكد أيضًا أن التعلُّق بالماضى بهذا الشكل المرضى هو طقس تخلفى، إما أنه ارتبط بالإنسان فى بداياته على الأرض، حيث خوفه من الطبيعة جعله ينسج أساطيره ليوهم نفسه بالحماية من غضب الطبيعة، أو أنه ارتبط بالأمم إبان فترات تخلفها وتراجعها الحضارى، حيث يُدفع بالعقل إلى مؤخرة المسرح، وتتراقص على خشبته مومياوات الماضى، فى محاولات بائسة لبثّ الروح فى أمجاد لن تعود على الأقل بهذه الطريقة البهلوانية.


وإذا نظرنا إلى الصراع الذى يشعله كل يوم عبدة الأسلاف، ومدمنو الخمر الدينية المعتقة فى مخازن الخلافة، سنجد أنه صراع شبيه بصراع النبى مع قومه من عبدة أسلافهم، خصوصًا أن سلفيى اليوم لا يرفعون قيمة التراث بناء على نظر موضوعى وتناول نقدى أثبت لهم أنه تراث صالح لكل زمان ومكان، لكنهم خلطوا ما بين فكر البشر والنص القرآنى. وقد أدَّى إلى هذا الخلط عدة أسباب، منها: الواقع الحضارى المتردى الذى يعيشه العالم الإسلامى اليوم، مما جعلهم لا يجدون قوة فى الحاضر، فتوحّدوا مع ما كان قوة فى الماضى. إلا أن ثمة سببًا آخر لهذا الخلط، وهو التوظيف السياسى للخلط بين النص القرآنى ومحاولات البشر فى فهمه، لجعل أى رغبة فى التغيير أو التجديد رغبة فى الخروج على الله ونصه.


فالسلفية هى تمسُّك بالماضى، إما تعويض وإما توظيف لأغراض سياسية، وبقليل من المقارنة بين حالتى سلفيى عصرنا وسلفيى عهد النبى، صلى الله عليه وسلم، سنجد أن الصورة تتشابه إلى حد التماثل، فسلفيو عهد النبى رفضوا كل جديد بدعوى عدم وجوده لدى أسلافهم، وكذلك سلفيو اليوم يفعلون، سلفيو عهد النبى اعتبروا أن القرآن نفسه أساطير الأولين، أى أنه لم يأت بجديد، بل هو موجود بالأساس فى نصوص سابقة، وكذلك سلفيو اليوم يفعلون مع كل جديد، خصوصًا جديد العلم، فما أن يظهر اكتشاف حتى يعلنوا أن القرآن قد سبق وتحدث عنه، وكأن القرآن هذا هو إبداع سلفى، أو أنه لا يجب على العالم أن يبحث، لأن الله قد أشار بطريقة استشرافية إلى مسألة معينة.


وإذا كان النبى قد حارب هذا الفكر المتعلق بالأسلاف، فإنه من الواجب علينا أن نؤدى نفس الدور فى هذا التوقيت، أن نحارب كل فكر يسكن الماضى دون وعى بالمتغيرات التاريخية والثقافية، لأن انتصار هذا الفكر الرافض لكل جديد هو انتصار للماضى -الذى ذهب بكل ما له وما عليه- على الحاضر ومصادرة ماضوية للمستقبل.

فرغم كل ما يدعيه السلفيون من اتباعهم لسنة الرسول، فإن حقيقة تلك السنة وروحها تحتم محاربة هذا الفكر السلفى، لأن الرسول جاء مغيّرًا ومجددًا ومدركًا لطبيعة عصره، وواعيًا بمطالبه.

ولن تكون نتيجة هذا الصراع فى صالحنا إلا بالتعرُّف على حقائق الأمور، من خلال التناول النقدى لما وصلنا من تراث بكل أشكاله وتنوعاته، لا نهاب سلطان الماضى ولا نرهب قدسية أفراد صنعتها الأساطير.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...