الحلاج الحكاية الكاملة.. أم الخليفة التى تعاطفت مع الحلاج

د. محمد فياض



الحلاج الحكاية الكاملة..  أم الخليفة التى تعاطفت مع الحلاج



لم يكن الحلاج عاريًا تمامًا من أى تعاطف سياسى، بل كانت له أسهمه القوية عند بعض النافذين، بل وصناع القرار داخل البلاط العباسى آنذاك، فحسب أحد النصوص أن الحلاج لما قدم بغداد استطاع أن يستغوى كثيرًا من الرؤساء. الأهم من ذلك أن السيدة شغب، أُم الخليفة المقتدر كانت متعاطفة مع الحلاج لدرجة أنها تدخلت مرات عديدة لمنع أى عقوبة ضد الحلاج، وقد وصف البعض تأثير الحلاج على السيدة شغب بأنه «تأثير طاغٍ»، كما كان نصر القشورى، حاجب المقتدر، واحدا من الذين اعتقدوا فى أفكار الحلاج، وشكل مصدر حماية له لفترات طويلة، بل إنه حسب وصف المصادر «افتتن به»، حتى إنه كان يسمى الحلاج (العبد الصالح)، و«دافع عنه أشد مدافعة، وكان يعتقد فيه أجمل اعتقاد». لقد كان نصر القشورى كبير الحُجاب وهو رومى أسلم، وقد صار حلاجيًّا من أنصار الحلاج هو وكل بيته، واستمر على نزعته هذه حتى بعد موت الحلاج، وكذلك فى سنة «301هـ/ 913م جاء للوزارة وزير جديد وهو على بن عيسى القنائى، وكان أحد أعضاء وزارته، وهو حمد القنائى، حلاجيًّا صريحًا، فأفسد القضية مؤقتًا ومنع كبير القضاة من النظر فيها، وأطلق سراح تلاميذ الحلاج.

وعلى جانب آخر فإننا نعتقد أن مسألة انبهار بعض رجال السلطة بالحلاج كانت واحدًا من السيوف التى وُضعت على رقبته، ومن المهم هنا أن نقتبس بعض النصوص لفهم هذه الإشكالية، فحسب بعض النصوص أن الحلاج قد استمال جماعة من الوزراء وطبقات من حاشية السلطان وأمراء الأمصار وملوك العراق والجزيرة والجبال وما والاها، وقد مَوَّه على جماعة من الحشم والحُجاب، وعلى غلمان نصر الحاجب، وبتعبير آخر أنه استغوى غلمان السلطان، وموّه عليهم واستمالهم بضروب من حيَله حتى صاروا يحمونه ويدافعون عنه ويرفعونه، ثم راسل جماعة من الكتاب وغيرهم ببغداد وغيرها فاستجابوا له.. وأنه استهوى نصرًا (نصر القشورى) وجاز عليه تمويهه، وانتشر له ذكر عظيم فى الحاشية.
إن الباحث لا يمكنه التغافل عن الدلالة القوية لهذه المقولة، فهذا الذكر العظيم الذى انتشر للحلاج فى الحاشية لم تكن لتسكت عنه السلطة، فالحلاج آنذاك تجاوز حضوره حتى اخترق أسوار البلاط، فكان القرار السياسى بالتخلص من الحلاج مسألة وقت، فضلا عن انضمام الخصوم السياسيين للسيدة شغب ونصر القشورى إلى أعداء الحلاج. ويحسم الإصطخرى هذا الطرح حسمًا مباشرا ويقرر هذا السبب بوضوح ودون تأويل، إذ قال: «إلى أن خيف من قبله أن يستغوى كثيرًا من أهل دار الخلافة من الحُجاب والخدم وغيرهم، فصُلب حيًّا إلى أن مات». وبذلك فنحن أمام نص معاصر قاطع الدلالة والوضوح.
المثير للسخرية أن الرجل الذى قرر أن يكون على الجانب المضاد للسلطة مُمارسًا معارضة ناعمة كان قرار إعدامه الأخير ضمن خطة مرسومة كسياسة إلهاء لما كان يدور من صخب فى الشارع السياسى والاجتماعى آنذاك، أو كسياسة إرهاب لغيره، حسب تحليل آخر، ليكون الحلاج بمنزلة كبش فداء، خصوصًا أن الحلاج كان فى نظر الخلافة العباسية هو الزعيم الصوفى الذى يهدد سلطانها ونفوذها، ويؤلب الجماهير ضد مظاهر الترف والإسراف والشهوات، وهو ما يفسر ما قامت به السلطة لاحقًا من نصب رأسه يومين على جسر بغداد، والطوف برأسه فى النواحى، حتى إنهم أرسلوا الرأس إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب، والعباسيون أفضل مَن يدرك خطورة خراسان.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..