.

خطة طارق شوقى لتطوير التعليم ممتازة.. على الورق!

Foto

لماذا يأتى الدعم الخارجى ضروريًّا لإصلاح وتطوير التعليم فى مصر وتنفيذ خطتها 2030؟ وما أبرز سلبيات ذلك الدعم؟ «التابلت» كلمة السر الكبرى فى خطة «شوقى».. فهل هو الحل؟!


مهمة إصلاح وتطوير التعليم فى مصر، من أصعب وأعقد المهام على الإطلاق، ذلك أن التحديات التى تواجه إصلاح وتطوير التعليم كثيرة للغاية، وهى تحديات ومعوقات تعرفها الحكومات المتعاقبة جيدا، لكنها -لأسباب كثيرة- لم تشأ مواجهتها والحفر حول جذورها، حتى تراكَم الفشل وتراكَمت المشكلات عَقدًا بعد عَقد، لنجد أنفسنا فى مواجهة نظام تعليمى متخلف، لا يحمل الحد الأدنى من التقدم والسيولة!

تعرف الدولة تمام المعرفة التحديات التى يواجهها نظامنا التعليمى، وحسنا ما فعلته الحكومة قبل شهور بوضعها ما يُسمى «خطة مصر 2030» وهى الخطة التى حددت بالتفصيل التحديات التى تواجه العملية التعليمية فى مصر، والأهداف المرجو تحقيقها حتى عام 2030، ويبدو أن الدكتور طارق شوقى، وزير التعليم والتعليم الفنى، بدأ بالفعل اتخاذ خطوات جادة فى سبيل تحقيق تلك الخطوات التى أعلن عن بعضها خلال الأسبوع الماضى، دون أن ينسى أن يوجه الشكر إلى الرئيس السيسى؛ لأنه وافق على استراتيجية تطوير التعليم، وطلب زيادة الدعم المقدم من البنك الدولى، مشددا على اهتمام الرئيس بملف تطوير التعليم، وتحقيق مخرجاته بشكل يخدم سوق العمل ويرفع مهارة الخريجين.
ولعل أول ما لفت انتباهنا هو أن الدكتور طارق شوقى لم يجد حرجًا، كما يجد آخرين، فى التصريح والاعتراف بأن ميزانية وزارة التعليم فى مصر أقل من الاستحقاق الدستورى، وهو اعتراف شجاع من وزير تنفيذى لم يجد أمامه سبيلا إلى تنفيذ خطته لإصلاح التعليم سوى فى الدعم الخارجى، من كل من البنك الدولى ومنظمة اليونيسيف واليونيسكو والحكومة اليابانية، بخلاف الدعم المقدم من الولايات المتحدة كجزء من المعونة الأمريكية التى تسهم فى برنامج القرائية وتدريب المعلمين وغير ذلك!
هذا الدعم الخارجى أمر لابد منه لتطوير وتنفيذ خطة إصلاح وتطوير التعليم فى مصر، وهو دعم جزء منه فى صورة مِنَح وجزء آخر فى صورة قروض، الأمر الذى يعنى أن تلك القروض التى تُضاف كديون على مصر لابد فى نهاية الأمر أن يكون مردودها ممتازا، حتى لا يصبح الأمر «موت وخراب ديار!»، وتلك هى المعادَلة الصعبة التى تواجهها مصر الآن؛ ففى ظل عجز الدولة عن تمويل عملية إصلاح وتطوير التعليم، تم الاتجاه إلى الخارج، على الرغم من أن الديون الخارجية قد تجاوزت المدى لتبلغ لأول مرة فى تاريخ مصر 80.8 مليار دولار بنهاية الربع الأول من السنة المالية 2017-2018 بزيادة 2.3% بالمقارنة مع مستواه بنهاية يونيو، حسب بيانات رسمية من البنك المركزى، وهى ديون مرشحة للزيادة فى ظل تراجُع معدلات الإنتاج والتصدير، وهاهى ذى الأعباء تتزايد على مستوى تطوير التعليم، فيعترف الدكتور طارق شوقى أن وزارة التعليم تحتاج إلى أربعة أضعاف مبلغ البنك الدولى على مدى أربعة عشر عاما، وقد التزم البنك الدولى بدفع ما قيمته نصف مليار دولار، أى أن مصر يلزمها بالإضافة إلى ذلك المبلغ، مليار ونصف المليار دولار، لتنفيذ خطة استراتيجية التعليم 2030، كما هو مقرر!
ما يلفت الانتباه أيضا فى كلام الدكتور طارق شوقى، أنه ركز على موضوع التابلت المدرسى؛ فالرجل أكد أن التابلت مهمته توصيل الامتحان للطلاب وأيضا توفير مصادر تعلم أكثر ثراء من كتاب المدرسة، وقد كنا نظن أن التابلت سيكون بديلا تكنولوجيا عن الكتاب الورقى، لكن الوزير فاجأنا وأعلن أن طباعة الكتب المدرسية مستمرة، وأنها لن تتوقف، وسيتم تسليمها للطلاب كل عام، وهذا بالفعل أمر غريب للغاية؛ فلماذا الإصرار على طباعة الكتب المدرسية التى تكلف الدولة كل عام أكثر من 2 مليار جنيه سنويا على أقل تقدير؟! فى حين أن الطلاب جميعهم لا يفيدون منها شيئا، ولا يستخدمونها، فلماذا لا يتم إلغاء طباعة الكتب المدرسية والقضاء على «سبوبة» تأليفها وطباعتها وتوجيه الـ2 مليار جنيه إلى خدمة العملية التعليمية ورفع مستوى المعلمين والوسائل التعليمية، ما دُمنا نتكلم عن تطوير التعليم والإفادة من التكنولوجيا التعليمية؟! وإذا برر البعض ضرورة وجود الكتاب المدرسى لأن بعض المناطق فى محافظات الجمهورية لا تتمتع بخدمات إنترنت، فلماذا لا يتم تحميل المنهج على أجهزة التابلت اللوحية، خصوصا أنها ستكلف الدولة ملايين الجنيهات؟!
يبدو، تماما، من خلال أطروحات الوزير طارق شوقى أن التابلت المدرسى يحتل جانبا كبيرا من خطته لإصلاح وتطوير التعليم، وعلى الرغم من تقدمية الفكرة فإن الإصرار على وجود الكتاب المدرسى إلى جانب التابلت اللوحى، يؤكد أمرين؛ أولهما أن الوزير طارق شوقى غير واثق من فاعلية نظام الأجهزة اللوحية الإلكترونية، ولا سيما أنها تجربة فشلت فى السابق عند العمل بها فى العام 2013، فى ست محافظات، والأمر الآخر، أن الدكتور طارق شوقى لا يستطيع مواجهة «بيزنس» تأليف وطباعة الكتاب المدرسى، وهو «بيزنس» متغول داخل وزارة التربية والتعليم منذ عقود، ويفيد منه أباطرة ربما هم أقوى من الوزير شخصيا، ما يعنى أن الوزير شوقى عليه أن يشغل نفسه أكثر بحل المعادلة الصعبة، معادلة التابلت والكتاب المدرسى، فبدلا من أن يُزاوِج بينهما بتلك الصورة التى لن تُنتِج سوى كائنا ثالثا مشوها، عليه أن يُفاضل بين الأمرين بصورة أكثر واقعية، تتناغم وتتساوق مع الواقع المصرى المعيش؛ لذلك فإننا نؤكد أن الشيطان يكمن -دائما- فى تفاصيل عملية تطوير وإصلاح التعليم، فليس من السهولة الكلام، وليس من السهولة الأحلام، وليس من السهولة الاعتماد على أن توفير التكلفة المالية لهذا التطوير والإصلاح قمينٌ بإحداث نقلة نوعية متطورة تأخذ بيد التعليم المصرى إلى الأمام ولو فى غضون 12 أو 14 عامًا قادمة، فالخطط قد تكون ممتازة على الورق، لكنها فى التطبيق تهبط درجات ودرجات فتكون جيدة جدا أو جيدة أو مقبولة!
لفت انتباهنا أيضا، تلك «الخناقة!»، التى اشتجرت بين مؤيدين ومعارضين، على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام، عندما ألمح الدكتور طارق شوقى، فى أثناء اجتماع لجنة التعليم والبحث العلمى بمجلس النواب، إلى إمكانية دمج التعليم الأزهرى فى التعليم العام؛ لتوحيد التعليم فى مصر، لأن الطالب بالتعليم الأزهرى يحصل على ضعف المناهج العلمية لنظيره بالتعليم العادى بالإضافة إلى المواد الدينية وبالتالى سيتم بحث دمج النظامين معا على أن تكون القضايا الدينية اختيارية، ثم تصريحاته القاطعة النافية بعد ذلك، يوم الأربعاء الماضى، التى أكد خلالها أن التعليم الأزهرى والمعاهد الأزهرية كما هى، موضحًا، أن النظام الأزهرى، نظام موازٍ للتعليم العام، ولا تفكير فى دمجه مع التعليم العام النظامى، قائلا: «امسحوا الفكرة دى بأستيكة لأنها غلط!»؛ وفى الحق فهى فكرة ليست «غلط» كما أعلن الوزير شوقى، فعلى الرغم من غضبة أشياخ الأزهر وإعلانهم فى صرامة وقلق وتنفُج -كما هى عادتهم- أن دمج التعليم الأزهرى فى التعليم العام محاولة خبيثة «كذا!» لتقليص دور الأزهر والقضاء على التعليم الدينى الوسطى فى مصر والعالم كله، على الرغم من تلك الغضبة فإن فكرة دمج التعليم الأزهرى فى التعليم العام لهى فكرة ممتازة، وفى صالح التعليم الأزهرى نفسه، وليس فيها «خُبث» من أى نوع كما يدعى الأشياخ، ولعلنا فى مقال قادم نسوق من الحُجج والبراهين ما يؤيد فكرة هذا الدمج، الذى نراه ضروريا لتوحيد التعليم فى مصر، بحيث يكون التعليم الدينى إدارة من ضمن إدارات التعليم فى وزارة التربية، على أن يتفرغ الأزهر لشؤون الدعوة والإفتاء، ومما يُعجَب منه أن تأتى تصريحات الأشياخ -كما جاء فى جريدة عقيدتى السبت 21 أبريل الحالى- منفصلة تماما عن الواقع، فقد تندروا على وزير التربية والتعليم داعين إياه أن «يعمل على تطوير التعليم وإدخال التكنولوجيا الحديثة فيه ويوضح سبب خروج مصر من التصنيفات العالمية فى جودة التعليم»، دون أن يُدركوا أن التعليم الأزهرى الذى يتولون شؤونه يعانى هو الآخر أضعاف أضعاف ما يعانيه التعليم العام من مشكلات وقصور ورجعية، وإذا كان وزير التعليم -فى نظرهم- مسؤول عن خروج مصر من التصنيفات العالمية فى جودة التعليم، فهم مسؤولون كذلك عن القصور والهشاشة فى التعليم الأزهرى، وكأنى بهم يتمثلون قول القائل: «رمتنى بدائها وانْسلَت»!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات