.

المصالحة الفلسطينية والعودة للمربع صفر.. والأطراف المحتملة المستفيدة من تعثر جهود المصالحة

Foto

كيف كشفت محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطينى عن هشاشة التوافق الفلسطينى؟


جاءت المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الوزراء الفلسطينى رامى الحمد الله الأسبوع الماضى فى أثناء زيارته لغزة، لتمثل ضربة قاصمة لجهود المصالحة الفلسطينية، المتعثرة بالأساس خلال الفترة الماضية، وربما لا تكون محاولة الاغتيال فى ذاتها هى السبب وراء ذلك التراجع الكبير المتوقع لاستكمال مسار المصالحة فى المرحلة المقبلة، وإنما ما كشفت عنه من غياب للثقة بين الأطراف الفلسطينية، وهشاشة التوافق بينهم خلال الشهور الماضية، وهو ما كشف عنه بشكل مباشر انطلاق سهام الاتهامات مباشرة بعد محاولة الاغتيال.

ورغم تعدد السيناريوهات والاحتمالات وراء محاولة الاغتيال الأخيرة، فإن الهدف يبدو واضحا تماما، وهو إفشال المصالحة وإغلاق هذا الملف ولو إلى حين، وهو ما يدفع بأى سيناريو منطقى للبحث مباشرة عن المستفيدين من هذه المسألة، وهو فى الحقيقة ما يثير العديد من الاحتمالات فى ظل تعدد الأطراف المستفيدة من تعثر المصالحة.
أول تلك الأطراف بالتأكيد هو الكيان الصهيونى، الذى لم تكن حكومته فى أى لحظة مرحبة بالتوافق الفلسطينى بين السلطة وحماس وبقية الفصائل، خصوصا فى ظل نظرتها لحماس باعتبارها منظمة إرهابية، وخلافها مع السلطة بقيادة محمود عباس الذى لا ترى فيه شريكا محتملا لتقديم التنازلات المطلوبة للتقدم فى مسار المفاوضات، ثم إن ملف محاولات الاغتيال الصهيونية للقيادات الفلسطينية ملىء بالحوادث والجرائم.
تفسيرات أخرى ترى أن هناك أطرافا داخل حركة حماس نفسها قد تكون وراء تلك المحاولة، فى ظل موقفها الرافض للمصالحة مع السلطة الفلسطينية وتشككها فى جديتها، وكذلك التخوف من أن يؤدى ذلك لانخراط حماس فى أى مفاوضات مقبلة مع الحكومة الصهيونية، وهذه الأجنحة قد تفضل البقاء فى الوضع الحالى الذى تسيطر فيه حماس على غزة بشكل مستقل.. وربما ذلك التصور هو ما يقف وراء إطلاق الاتهامات من الرئاسة الفلسطينية مباشرة بتحميل حماس المسؤولية، ورغم التوضيحات اللاحقة التى صدرت عن مسؤولين فلسطينيين تقول إن تحميل المسؤولية يأتى فى إطار مسؤولية حماس عن الأوضاع الأمنية فى غزة بالكامل، وليس معناه أنها دبرت محاولة الاغتيال، فإن تقارير صحفية تشير لتوجيه أصابع الاتهام إلى أسماء بعينها من قادة حركة حماس الذين تعتبرهم السلطة الفلسطينية أكثر تشددا.
تفسير ثالث يذهب إلى أن من يقف وراء محاولة الاغتيال ليس حماس بالمعنى الرسمى ولا حتى أجنحة داخلها، وإنما المنشقون عنها الذين شكلوا خلال الفترة الماضية تهديدا لحماس ودخلوا فى خصومة شديدة معها وشكلوا أو انضموا إلى تنظيمات متطرفة، خصوصا أن من بين هؤلاء المنشقين كثير من العناصر العسكرية المدربة والمحترفة التى كانت جزءا من كتائب عز الدين القسام.
تفسير رابع لا يستبعد أن تكون هناك أطراف إقليمية أخرى وراء تدبير تلك المحاولة، خصوصا فى ظل الدور المصرى الرئيسى فى جهود المصالحة، وهو ما يدفع البعض لإثارة احتمالات أن تكون أطراف مثل قطر أو تركيا، والبعض الآخر يشير إلى إيران أيضا، وراء تدبير تلك المحاولات، عبر بعض العناصر الفلسطينية فى الداخل.
ورغم أن كل تلك الاحتمالات مع تفاوت نسبها تبدو قائمة وواردة، فإن المؤكد فى كل الأحوال هو أن محاولة الاغتيال، وسواء كانت تستهدف رئيس الوزراء الفلسطينى رامى الحمد الله، أو مدير المخابرات الفلسطينية الذى كان يرافقه ماجد فرج كما يشير البعض الآخر، وسواء أيضا كانت مجرد رسالة إنذار لم تهدف للقتل بقدر ما كانت تهدف لتوصيل رسائل وتحقيق أهداف سياسية، أو كانت محاولة اغتيال حقيقية وفشلت، فإن التدافع إلى تبادل الاتهامات بين الأطراف الفلسطينية، يبدو هو الطريق الحقيقى لنجاح الهدف من تلك المحاولة، حتى وإن كانت جهود المصالحة على مدى الفترة الماضية متعثرة ولم تنجح فى تحقيق اختراقات حقيقية فى الملفات العالقة، إلا أن العودة لتبادل الاتهامات، وعدم التعاون والتنسيق بين مختلف الأطراف الفلسطينية للكشف عن الأطراف الحقيقية التى تقف وراء تلك المحاولة وأهدافها، سوف تؤدى لتحقيق الهدف الفعلى منها.
تصريحات الحمد الله نفسه بعد الحادث، جاءت مختلفة فى لغتها وطبيعتها عن تصريحات الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح، وبدت أكثر إيجابية وتمسكا بالاستمرار فى جهود المصالحة، ومع تأكيده على استمرار زياراته إلى غزة فى الفترة المقبلة وندائه إلى حماس بضرورة إدراك مخاطر استمرار الوضع الراهن، إلا أن هذه التصريحات تظل معلقة على موقف الرئاسة الفلسطينية من ناحية، ومدى جدية التحقيقات التى تجريها أجهزة الأمن فى غزة من ناحية أخرى، ومدى قدرة الأطراف الوسيطة وبالذات مصر فى التقريب بين مختلف الأطراف فى الأيام والأسابيع القليلة المقبلة.
وبينما تسعى حركة حماس للتأكيد على إدانتها الكاملة لمحاولة الاغتيال ورفضها فى الوقت ذاته للاتهامات الموجهة إليها، فإن سرعة الكشف عن نتائج التحقيقات، والقبول بالتعاون مع السلطة الفلسطينية وأجهزتها فى هذا الملف، قد تكون عاملا من عوامل إمكانية تجاوز هذه الأزمة، خصوصا أنه إن صح أى من السيناريوهات التى تشير إلى أن هذه المحاولة يقف وراءها أطراف داخل حماس أو منشقون عنها أو أطراف إقليمية أخرى فإن ذلك سوف يعنى بوضوح شديد عدم قدرة حماس على السيطرة على الأوضاع الأمنية فى غزة وهو ما يفترض منطقيا أن يمثل دافعا جديدا وقويا إذا كانت النوايا جادة لاستكمال مسار المصالحة وضمان وجود أجهزة أمنية متماسكة وقوية ومحترفة تتمكن من مواجهة التحديات سواء فى قطاع غزة أو على المستوى الفلسطينى بشكل عام.
بقدر ما تمثل محاولة اغتيال الحمد الله تهديدا حقيقيا وخطيرا لاستكمال جهود المصالحة، والعودة إلى المربع صفر مرة أخرى، فإنها فى المقابل يمكن أن تمثل تحديا يدفع الجميع لضرورة استكمال ما بدأ وتكون حافزا على تجاوز عقباته وعثراته التفصيلية على أهميتها، من أجل تحقيق هدف أهم وهو توحد الفصائل والأطراف الفلسطينية فى مواجهة التحديات المقبلة.
الأخطر هو أن الحادث الأخير وتداعياته يأتى فى الوقت الذى يتوقع فيه اقتراب إعلان الولايات المتحدة لرؤيتها لتسوية القضية الفلسطينية من خلال طرح ملامح ما يسمى بصفقة القرن، وهو وفقا لما نشر عنه حتى الآن، يؤكد على الحاجة لموقف فلسطينى جامع وموحد فى مواجهة هذا الطرح المنتظر، خصوصا فى ظل ضغوط متوقعة من أطراف عربية وإقليمية ودولية على السلطة الفلسطينية للقبول ببدء مفاوضات على أساس تلك الصفقة مع تحسين بعض شروطها أو بنودها، وهو ما قد يمثل فعليا بداية النهاية للقضية الفلسطينية ولحلم الدولة الفلسطينية المستقلة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات