.

لا قانون لحماية المستهلك دون رقابة رادعة

Foto

ما أهم مميزات القانون الجديد لحماية المستهلك؟ كيف يهدف القانون الجديد إلى تحقيق قسط لا بأس به من العدالة الاجتماعية؟


نظريًّا، وعلى الورق، فإن القانون الجديد لحماية المستهلك، وهو القانون الذى وافق عليه -مبدئيًّا حتى يتم إقراره بشكل نهائى خلال مارس الجارى- مجلس النواب مؤخرًا، يحقق للمستهلك المصرى «المواطن» جملة من المكاسب التى تضمن له طائفة من الضمانات والمواد المنظمة للآليات التى تحكم السوق الاستهلاكية، كما تحكم العلاقة بين المستهلِك والمنتِج، أو مقدِّم الخدمات المختلفة له، وفوق كل أولئك فإن القانون الجديد يتوافق، إلى حد ما، مع العدالة الاجتماعية، وهذا بالطبع على الورق حتى الآن!

خروج هذا القانون الجديد، ولو بشكل مبدئى، إنما يأتى تنفيذًا وتطبيقًا للدستور الحالى؛ إذ إن المادة «27» منه تُلزِم الدولة بحماية المستهلِك وضبط آليات السوق، وهى سياسة ينتظرها المواطنون قبل أن تكون قانونًا ملزِمًا، خصوصًا مع ما يعانيه أولئك المواطنون منذ عقود من غياب منظومة الحماية الحكومية والرقابية على الأسواق المختلفة، ما جعلهم يقعون فريسة سهلة سائغة فى فم المنتجين والتجار، فمجرد خروج مثل هذا القانون يمثل انتصارًا للمواطنين/ المستهلِكين قبل أى شىء، ولا سيما أن الفصل الثانى من الدستور فى مادته «27» ينص على التزام الدولة، فى نظامها الاقتصادى، بمعايير الشفافية والحوكمة، وضبط آليات السوق، وكفالة الأنواع المختلفة للملكية، والتوازن بين مصالح الأطراف المختلفة، بما يحفظ حقوق العاملين ويحمى المستهلك.
ليس هناك ما هو أسهل من الكلام، وصك المصطلحات الرنانة، وحشد العبارات التى تدل على معانى العدالة والحماية الاجتماعية وتوفير الضمانات المتعددة، التى تجعل المواطنين بمنأى عن الاحتكار وجشع التجار وتقديم الخدمات السيئة لهم، ليبقى التطبيق العملى على أرض الواقع هو المقياس الذى تُقاس به الأمور، فكلما كان التطبيق العملى متّسقًا ومتوافقًا مع الواقع وصعوباته ومشكلاته، يكون النجاح وتكون القيمة؛ فعلى سبيل المثال، يتضمن مشروع القانون الجديد لحماية المستهلك سبعًا وسبعين مادة، فى حين أن القانون الحالى، الذى سيتم إلغاؤه بعد إقرار القانون الجديد، يتضمن أربعًا وعشرين مادة فقط، وذلك لأن القانون الجديد أخضع السيارات إلى مفهوم السلع الاستراتيجية، ما يعنى خضوع عملية بيعها إلى جهاز حماية المستهلك، كما أدخل أنواعًا جديدة من التسوق تحت طائلة القانون، منها التسوق عن بُعد «الإلكترونى»، وهو التسوق غير التقليدى عبر التليفون والفضائيات وشبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى والإعلانات، بالإضافة إلى تغليظ العقوبات فى حالة المخالفات، فزيادة مواد القانون إلى أكثر من الضِّعف مؤشر ظاهرى على مراعاة التقدّم الحاصل فى مجال التسوق، لكنه فى الوقت نفسه لا يعبِّر عن نجاح، ما لم يتم التنفيذ بسرعة وردع وعدالة وشفافية، فالعبرة ليست بزيادة المواد وحشد النصوص القانونية فقط، بل العبرة بمدى قدرة الجهات التنفيذية على تنفيذ القانون بحذافيره لضبط الأسواق وحماية المستهلكين، ومراقبة عمليات البيع والشراء بين المنتِج والمستهلِك والوسيط، كما أن العبرة تكون أيضًا بتكامُل الأجهزة التنفيذية المنوط بها تطبيق القانون فى صورته العملية!
نظريًّا، يهدف هذا القانون فى المقام الأول إلى تحقيق قسط لا بأس به من العدالة الاجتماعية، من خلال توفير المعلومات الصحيحة والدقيقة عن السلع المعروضة، وكذلك تحديد أسعارها بشكل عادل، وهو أمر يفتقده المواطنون تمامًا فى مصر، فحتى الآن لا توجد قواعد بيانات صحيحة ومضبوطة عن أى سلعة فى الأسواق، بخلاف أن أسعار السلعة الواحدة تختلف اختلافا بيِّنًا من مكان إلى آخر، ولم يستطع القانون الحالى التعاطى مع تلك المشكلات، على الرغم من أن القانون فرض على المنتِج أو المستورِد وضع بيانات الخدمة/ السلعة، التى يقدمها بطريقة واضحة، وتشمل هذه البيانات الأسعار والمميزات والخصائص والمكونات وتاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية. بيْدَ أن جهاز حماية المستهلِك، وغيره من الأجهزة المعنية بمراقبة الأسواق ومتابعة عمليات البيع والشراء وخدمات ما بعد البيع، لم يمتلك من الآليات والقوة القانونية الرادعة ما يمكّنه من مراقبة القانون وتفعيل مواده، كما لم يستطع القانون الحالى إيجاد حلول تمنع السلع الرديئة من غزو الأسواق، فلا يكاد يجد المستهلك غيرها، الأمر الذى يترتب عليه هَدر أموال المواطنين لصالح التجار والمنتجين الجشعين. وكم صادفنا، وكم سمعنا عن تكرار المشكلات والأزمات التى تنشب بسبب إعادة المستهلكين السلع الرديئة خلال المدة القانونية «14 يومًا»! فكثير من المنتجين والتجار يرفضون استبدال السليم بالتالف الردىء؛ لأنهم يعلمون جيدًا أن جهاز حماية المستهلك مغلول اليد بسبب بؤس القانون الذى يحكمه، وحسنًا جاءت إحدى مواد القانون الجديد لتجعل المدة القانونية للاستبدال ثلاثين يومًا لا أربعة عشر يومًا!
من الأمور الجيدة أن القانون الجديد لحماية المستهلِك يتضمن عقوبات رادعة، كالحبس مدة لا تقل عن عام لكل مَن قام بتخزين سلعة استراتيجية يصدر بها قرار مسبق من رئيس مجلس الوزراء، والسجن وغرامة مالية لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تتجاوز المليون جنيه، أو ما يعادل قيمة السلعة محل الجريمة، أو أيهما أكبر إذا أصيب شخص بعاهة مستديمة أو مرض مزمن أو مستعصٍ نتيجة غش فى السلعة، وفى حال حدوث وفاة تكون العقوبة السجن المؤبد، وغرامة مالية لا تقل عن 200 ألف جنيه ولا تتجاوز 2 مليون جنيه، أو ما يعادل قيمة السلعة محل الجريمة أيهما أكبر، كما أن القانون تضمّن تغليظ عقوبات الإعلانات المضللة لتتراوح الغرامة من 50 ألف جنيه إلى مليون جنيه، كما نصَّ كذلك على فرض عقوبة لا تقل عن 30 ألف جنيه ولا تتجاوز مليون جنيه فى حالة الامتناع عن تقديم فاتورة للمستهلك، أو عدم الإعلان عن أسعار السلع أو تداول سلع تحرض على التمييز العنصرى أو الدينى، وهى كلها مواد تضمن حماية كافية لجمهور المستهلكين، إلا أنها تستلزم قدرًا كبيرًا من الحزم والمساواة فى التطبيق دون تمييز أو وساطات من أى نوع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالكيانات التجارية الكبرى التى لا تلتزم بحماية المستهلك!
الأهم من أى قانون هو مدى قدرة الأجهزة التنفيذية المعنية على تطبيق القانون، فليست العِبرة بحشد طائفة من المواد القانونية، بل العِبرة دائمًا بالتنفيذ، والمواطن المصرى/ المستهلِك فى ظل الحالة الاقتصادية الصعبة التى يمرّ بها منذ ما يربو -تخصيصًا- على الخمسة عشر شهرًا، يعانى بشكل كبير من زيادة الأسعار التى لا تتناسب مطلقًا مع دخله، ولا يكاد يجد رقابة أو حماية من قبَل الأجهزة الحكومية، ولعل تلك المعاناة هى التى دفعت مجلس النواب دفعًا إلى التعجيل بالموافقة المبدئية على قانون جديد لحماية المستهلِك، ليبقى فى النهاية أمام الحكومة، بعد الموافقة عليه بشكل كامل، فى مارس المقبل، تَحدٍّ كبير يتمثل فى تطبيق مواده تطبيقًا كاملا بما يضمن فعلاً حماية المستهلك المصرى، وتنظيم السوق وإحداث حالة من التوازن بين المنتِج والمستهلِك والوسطاء من تجار التجزئة، ومنع الاحتكار، وضمان خدمات ما بعد البيع، وغير ذلك من ضمانات تكفل للمستهلِك حماية قانونية ممتازة!
لا ننكر أن مواد القانون الجديد لحماية المستهلك فى مجملها تتسم بالتقدمية والحسم ومجاراة الواقع والتساوق مع معطياته المتغيرة، لكننا فى الوقت نفسه لا نرى فى مواد هذا القانون ما يضمن للمستهلك الحصول على السلع المختلفة بأسعار عادلة، كما لا نرى فيه مادة أو مواد تنظم مسألة هامش الربح للتجار والمنتجين، وهى مسائل هامة نتمنى أن تجد تحت قبة البرلمان، خلال الجلسة العامة فى الثالث من مارس المقبل، مَن يشدد على ضرورة تضمينها فى هذا القانون؛ حتى تتكامل مواده بشكل يطمئن المواطن/ المستهلِك، ويجعله يحس بأن الحكومة لا تتركه نهبًا للمنتجين والتجار!
نؤكد مرة أخيرة أن الأهم من إضافة هذا القانون الجديد إلى ترسانة القوانين التى يزخر بها الواقع المصرى، هو تنفيذه بشكل متكامل، رادع، وعادل، وَفق معيارَى الشفافية والحوكمة، اللذين يضمنان تحقيق الجودة والتميُّز فى الأداء والتطبيق، وقبل كل أولئك ينبغى على مجلس النواب والحكومة أن يلتفتوا إلى أن مثل هذا القانون إنما يُعدُّ ترسًا فى ماكينة الاقتصاد المصرى، ما يعنى أن تحسين أداء الاقتصاد المصرى، واستمرار وضع استراتيجيات رفع كفاءته على الأصعدة جميعها، إنما يجعل لهذا القانون معنى، ما ينعكس بالضرورة على إحساس المواطنين بالتغيُّر والتطوُّر وتماسُك سياسات وقوانين الدولة.. فهل تعى الدولة كل هذه الأمور، أم أنها لا تعى ذلك؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات