.

متى يصوم المصريون عن العادات الرمضانية الخاطئة؟

Foto

لماذا يبحث المصريون دائمًا عن جدوى لصوم رمضان؟ هل يوجد بلد فى العالم يقرأ فيه شخص القرآن في أثناء قيادة السيارة؟


ساعات وتجتمع الأُسر المسلمة حول موائد السحور ومن ثَمَّ الصيام، تأدية لفرض صوم رمضان، ويقول الله سبحانه وتعالى فى الآية 183 من سورة البقرة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، وفى الآية توجيه إلهى صريح بالصوم.

 

نصوم تنفيذًا لأوامر الله عز وجل، وربما إذا تأملنا فرض الصيام استطعنا استخلاص بعض النتائج محمودة الأثر على خلفيته، مثل فضيلة التكيُّف، وكبح جماح النفس والشهوات، والسيطرة على الذات، ولكن الجدوى الأكبر من الصيام هى تأدية الفرض والامتثال إلى الأمر، فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالصوم مثلما أمرنا بالصلاة والزكاة، وتنفيذ الأمر ليس تفضلًا.
 

كثيرون يتفننون فى إطغاء صفة الفائدة على كل الأوامر الإلهية، وأنا لا أنكر فرضية وجود فائدة.. ولكن ماذا إذا لم تكن هذه الفائدة موجودة من الأساس؟ هل كنا سنتوقف عن أداء الفرض؟
 

كثيرون يدَّعون أن الصيام ينقى الجسم من السموم، ويكون له أثر طيب على المعدة والقولون، ويساعد فى رفع مستوى الإدراك والانتباه، ويشعرنا بحال الفقراء والمساكين، وينشر السلام فى بقاع الأرض.. إلخ، وبغض النظر عن صحة الفرضيات السابقة، فهل من الصحى والمفيد حرمان الجسم من المياه لمدة أكثر من 16 ساعة؟! هل تتساوى قدرة الجسم فى إفراز الهرمونات وأداء وظائفه البيولوجية فى حالتَى الصيام والإفطار؟ أليس من المفترض أن يكون للسكريات والنشويات والسوائل وقْع إيجابى على الجسم فى الطبيعى؟! ذلك وإلا فلماذا نفطر كل صباح؟ ونشرب المياه بكميات وفيرة؟!
 

أرى أن الجدوى الأولى للصيام تتمثل فى أداء فريضة أقرَّها الله عز وجل، وإذا كان للصوم آثار إيجابية فهى لن تحمسنا له، كما أن آثاره السلبية -إن وجدت من وجهة نظرك- لن تثنينا عن أدائه.
 

ولكن رمضان فى مصرنا يصحبه دائمًا مظاهر تختلف عن بقية الأشهر، وربما اعتدنا هذه المظاهر والعبادات حتى أصبحت رمضانية الهوى، لا تجدها سوى فى الشهر الفضيل فقط.. وربما آن الأوان للنظر فى اليوم الرمضانى المصرى، وسلوكيات المواطن خلاله.
 

أولًا: ختم القرآن
أصبح من المعتاد أن يتبارى المسلمون فى قراءة القرآن وختمه، حتى إن المرويات تشير إلى دأب النبى والصحابة والتابعين من بعده، على تلاوته وتدبره، فبعضهم يختمه فى رمضان سبعًا وآخر ثلاثًا، وقد أُثر عن الشافعى أنه كان يختمه فى رمضان ستين مرة.

 

كذلك دار الإفتاء المصرية ردَّت على أحد السائلين فى هذا الصدد، وأفادت بضرورة الحرص على ختم القرآن مرة أو أكثر، والإكثار من تلاوته ليلًا، استنادًا إلى قوله تعالى: «إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا».
ولكن للأسف أصبحنا نرى مَن يختم القرآن فى رمضان، ومَن يختمه مرتَين أو ثلاث مرات أو أكثر،

والاستفهامات الأهم: هل تدبَّر القارئ عظمة وجلال حروف هذا الكتاب؟ هل يريدنا الله أن نحرك شفاهنا وتمر أعيننا أعلى الحروف دون توقف وافٍ أمام مغزى هذه الآيات؟ كم شخصًا من الحارصين على ختم القرآن يحرص كذلك على البحث فى آفاق التفسير وأسباب نزول الآيات واستعراض الآراء المتباينة؟!
الله سبحانه وتعالى قال فى الآية 29 من سورة «ص»: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ»، فى أمر صريح على وجوب التدبر وإعمال العقل.

 

حِرص عدد ليس بقليل من المسلمين على ختم القرآن فى شهر رمضان المعظم، أفرز سلوكيات تستحق التعجب، فدائمًا ما تجد المصحف فى يد أحدهم أو على هاتفه المحمول يطالعه ويتلوه، وقد يكون ذلك حرية شخصية متفهمة، ولكن لكل مقام مقال، ففى رمضان الماضى وجدت شخصًا يقود سيارة ويحمل المصحف بيده اليمنى ويحاول أن يلتقط منه ما استطاع فى أثناء الزحام! خشيت أن يصطدم هذا الرجل بإحدى السيارات حوله.. آنذاك: هل يكون فعله محمودًا؟! أشك.
 

كذلك هناك مَن يتعمَّد الجهر بصوته فى أثناء التلاوة، بل هناك مَن يزعم أن الثواب لن يكون كاملًا إذا اكتفى القارئ بقراءة عينيه، فكثير من آراء المشايخ تتجه إلى ضرورة تحريك اللسان والشفاه فى القراءة، مثل ابن عثيمين الذى قال: «القراءة لابد أن تكون باللسان، فإذا قرأ الإنسان بقلبه فى الصلاة فإن ذلك لا يجزئه، وكذلك أيضًا سائر الأذكار، لا تجزئ بالقلب، بل لابد أن يحرك الإنسان بها لسانه وشفتَيه؛ لأنها أقوال، ولا تتحقق إلا بتحريك اللسان والشفتَين» «مجموع فتاوى ابن عثيمين 13/156»، ومن ثَمَّ بات عاديًّا أن تسمع صوت أحدهم وهو يتلو فى المواصلات العامة أو الطرق.
 

والحقيقة لا أجد منطقًا فى هذا الرأى، فذِكر الله يكون باللسان والفعل والقلب، والتدبُّر فى القراءة لن يكون بالصوت الجهور أو الشفاه المتحركة، لذلك يجب أن يحرص المسلم بشكل عام على التدبُّر فى القراءة، والنظر قليلًا إلى معانى المفردات وتفاسير النصوص وإحكام العقل بشأنها، ذلك أكثر جدوى من تحريك الشفاه ورفع الصوت دون إمعان فى عظمة النص القرآنى.
 

ثانيًا: المساجد فى رمضان
تتحول صلاة التراويح فى رمضان إلى حدث مجتمعى أكثر من كونه دينيًّا، فالمساجد والزوايا تعج بالأناس وتشهد ظهورًا خاصًّا للسيدات، وتمتلئ بأولئك الراغبين والراغبات فى الصلاة وأشياء أخرى، نعم أشياء أخرى.. فبلا مبالغة: هناك مَن تذهب إلى المسجد حتى تبحث عن زوجة مستقبلية «عروسة» لابنها أو أحد أقاربها، وهناك أيضًا مَن تصطحب أطفالها إلى المسجد من باب تغيير الجو، وهناك مَن يعشقن البكاء والنحيب فى أثناء الدعاء والصلاة، وكأن ذلك أحد أبواب الخشوع، وللأسف هناك أحاديث منسوبة إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، تدعو إلى البكاء فى أثناء الدعاء، بل وأيضًا «التباكى» (أى اصطناع البكاء)، وكأن الله ينتظر منا اصطناع البكاء حتى يستجيب للدعاء!

 

للأسف فى صلاة التراويح، أصبح من الطبيعى أن تسمع صراخ الأطفال، أو أحاديث السيدات الجانبية، ويتحول المسجد إلى ساحة لكل مَن يريد أن يفتى ويتحدث، فهناك مَن يفسر القرآن ويكفِّر مَن يشاء، وهناك مَن يطلق أحكامًا فى الصلاة السليمة، وهناك مَن يمسك مكبر الصوت ويعطى دروسًا من طرف واحد، فعليك أن تستمع وتنصت ولا تجادل أو تناقش وإلا وقعت فى المحظور كما قال أحمد راتب لعادل إمام فى فيلم «الإرهابى».
 

للأسف مهما حاولت الدولة فرض سيطرتها على الزوايا والجوامع، فلن تستطيع فعل ذلك، فهناك مَن يمسك مكبر الصوت -ربما يكون ليس أزهريًّا أو خطيبًا معتمدًا، بل هو من أهل المنطقة المشهود لهم- ويحرّم الأغانى والمسلسلات والأفلام، ويجد لذته عندما يحكى عن عذاب القبر وسياط النار وجحيم جهنم الذى ينتظر العصاة وتاركى الصلاة، ويستمد قوته من صمت الجالسين أمامه يسمعون، فينصتون، فيصدّقون؛ فيبثّون الكراهية تدريجيًّا، دون التحقق من صدق ما يُقال، أو إعطاؤه احتمالية خطأ.
 

صلاة التراويح الجماعة ليست من سُنن النبى، ولم تُصلَّ جماعة إلا فى عهد عمر بن الخطاب، ولكنها عمل محمود الأثر، فهى صلاة لله أولًا وأخيرًا، ولكن ما هو غير محمود أن يتحول المسجد إلى محفل يعج بالضجيج والبكاء والنحيب والفتاوى الشاذة التى لا تليق بشهر الرحمة.
 

ثالثًا: أزمة كل سحور
ما حكم الأكل فى أثناء أذان الفجر؟ هل أبتلع الطعام الموجود داخل فمى إذا أذّن الأذان فجأة؟ هل يجوز أن أكمل طعامى حتى الشهادتَين فى أذان الفجر؟ هذه الأسئلة وما على شاكلتها تتكرر كل عام، تسمعها عبر الراديو، وتشاهدها فى البرامج الدينية، وتطالعها على موقع دار الإفتاء.

 

ولا أعلم إلى متى سيظل الاهتمام منصبًّا على قشور الدين، فهل يُعقل أن يفسد صيام أحدهم بسبب ثوانٍ معدودات؟ هل تستحق تلك اللقمة التى ابتلعتها فى أثناء الأذان هذا القدر من التوتر والتساؤل؟
لم تجتمع الآراء على رأى واحد فى هذا الصدد -وهذا أمر طبيعى- لذلك يجب النظر إلى القاعدة العامة التى تلزم الصائم بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق، إلى غروب الشمس، فالعبرة إذن بطلوع الفجر لا بالأذان. قال الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» «البقرة- 187»، فمن تيقَّن طلوع الفجر الصادق لزمه الإمساك، وأما مَن لم يتيقن طلوع الفجر فله أن يأكل حتى يتيقَّن. وبالطبع يلجأ البعض إلى الإمساك عند الأذان تجنبًا للشبهات، ولكن إحقاقًا للحق فاللقيمات القليلة أو قدر الماء البسيط أو الثوانى المعدودات لا يُعقل أنها تفسد صيامًا.

 

أخيرًا، كل عام وأنتم بخير، ولكن هل سنكون بخير إذا انحرفنا عن تعاليم السماحة والرحمة؟ هل سنكون بخير إذا تحول رمضان من شهر الرحمة إلى شهر النبذ والفتاوى الشاذة؟ هل سنكون بخير إذا تحوَّلت العبادة والصلاة والدعاء إلى مظاهر كاذبة؟ هل سنكون بخير إذا أسرفنا فى المأكل والمشرب والملبس؟ هل سنكون بخير إذا زادت الفجوة بين طبقات المجتمع؟ أترك لكم الإجابة وأذكر نفسى وأذكركم بحديث النبى: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله».
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات