.

كلما سأل أجاب الكونت دراكولا!

Foto

اختلاف عناوين القصائد فى الطول والقصر، وفى دلالاتها وارتباطها بالنصوص، هو الملمح الذى يمكن سحبه على تجربة عادل سميح الأولى


تأخر الشاعر عادل سميح كثيرًا حتى أصدر ديوانه الأول «عزيزى الكونت دراكولا»، الذى صدر أخيرًا عن «ميريت»، وحين حدث جاء فى 64 صفحة فقط، تضم إحدى عشرة قصيدة، مكونة جميعها من 1200 إلى 1300 كلمة، وهى بحسابات الكم ضئيلة، لكن الشعر لا يقاس بحجمه، بل بالدهشة التى يحدثها لدى قارئه، وبقدرته على بناء عالم كامل من الجمال، وهو ما سأحاول اختباره فى تلك المساحة الضيقة.

 

عناوين القصائد لا يتم اختيارها حسب نمط ثابت، فهناك عناوين طويلة، مثل «هل تسمحين لى أن أذكر اسمك للأصدقاء؟» و«هل لهذا علاقة بغيابكِ المتكرر؟!» -وبالصدفة جاءا فى صيغة سؤال- وهناك عناوين متوسطة، مثل «يكفى أنك هناك» و«عزيزى الكونت دراكولا» و«تعبرُ الشارعَ باطمئنان» و«لا تُفضى إلى شىء»، وهناك عناوين تأتى فى كلمة واحدة، مثل «سكين» و«موت» و«هزائم» و«قسوة»، والعنوان الباقى شديد التقليدية، ليس فى تركيبه اللغوى ودلالته فقط، بل لأنه يكشف القصيدة ويلخصها، وهو «أسئلةٌ مُرَّة»، حيث تتكون القصيدة من مجموعة أسئلة استنكارية تملؤها المرارة: «لماذا/ كلَّما سألتُ البحرَ/ عن سر الخواءِ/ تفجرَ الليلُ مياهًا آسنةً/ وهزائمَ../ تريدُ الثأرَ لنفسِها؟/ .../ لماذا/ تسكبنى الفراشاتُ/ ظلاًّ شفيفًا/ على الأسطحِ المعتمة؟»… إلخ.

 

اختلاف عناوين القصائد فى الطول والقصر، وفى دلالاتها وارتباطها بالنصوص، هو الملمح الذى يمكن سحبه على تجربة عادل سميح الأولى، فهو لا ينحاز إلى شكل ولا إلى قيمة، بل يتنقل بحرية حيث يشاء، يجرب باستمرار ويجيد الخطأ: «ساعتها سأحيا/ كما أريدُ/ إنسانًا/ يُجيد الخطأَ/ ويدخل مُختارًا/ فى التجربة» (ص61)، يدخل التجربة متسلحًا بالبساطة المفرطة، ظاهريًّا، حيث تحتاج إلى عمق شديد لتظهر على النحو الذى ظهرت عليه، لاحظ مثلاً أنه يقول فى ص63: «ولن يذكرنى حبيبى/ لأن حبيبى/ لن يذكرنى» هكذا، كما أنه يطوع كل تاريخ الشعر لخدمته، ولا يتردد فى أن يكون رومانسيًّا بشكل مفرط فى زمن يخاصم الرومانسية، ومن ذلك ما جاء فى قصيدة «يكفى أنك هناك» ص16، يقول: «يكفى إذن/ أنكِ تطئين ترابًا/ سيعفرُ وجهى يومًا ما» بتلك الرومانسية المفرطة!

 

البساطة والتجريب جعلاه يجرب أشكالاً متعددة من الأبنية الفنية، يستعرضها فى بحثه عن شكل جمالى يناسب تجربته، فتجده مثلاً يصنع سلمًا باللغة، كلما وطأ كلمة قادته إلى أخرى، وتقوده الأخرى إلى غيرها، وهكذا: «الفارسُ/ الذى أصبحَ مصَّاصَ دماءٍ،/ مصَّاصُ الدماءِ الذى أصبحَ أبديًّا،/ الأبدىُّ الذى عشقَ/ العاشقُ/ الذى مات» (ص26).

هنا يموت الفارس، لكن ليس بجملة واحدة كالرصاصة، بل عبر سلسلة لغوية جميلة تحفر مشهد الموت وتعمقه، إلى جانب أنها ترسم مشهدًا جماليًّا، ليس مفارقًا بالكامل، لكنه جميل.

وفى قصيدة «هزائم» (ص33) يكرر بناء الجملة فى مقطعين متتاليين فى صفحتين متتاليتين مع تغيير طفيف: «خفيفةٌ أنتِ كالهواء/ رقيقةٌ.. كالوهمِ/... .../ خفيفة أنتِ.. كالهواء/ رشيقةٌ.. كمهرةٍ فكت عقالَها».

وفى القصيدة ذاتها يضع ثلاث جمل بين أقواس: (هذا ما اكتشَفتُهُ مؤخرًا) و(تعدو بشكلٍ متعرجٍ على صفحةِ الروح ِ) و(أمثالَ الهكسوسِ ونابليون)، وهى جمل ذهنية تكسر السياق الشعرى بشكل متعمد، حتى لا يستسلم القارئ لرتابة الإيقاع الناعم، فيستيقظ بعض الوقت ليفكر.

 

استخدم عادل سميح أشكالاً قديمة فى هذا البناء الشفاف البسيط العميق الذى يجعلك تحس أنك تمشى على الماء وأنت تغوص فيه، واستخدم تقنيات جديدة مدهشة، وصهر كل ذلك فى تجربته التى تأخرت، فهو يستخدم ضمير المخاطب كالشعراء الجاهليين، ويستخدم السرد العادى واللغة التوصيلية، يقف فى نهايات القصائد وقفات حادة وأخرى ناعمة، لأنه لا يكتب على مثال، بل يصنع مثاله هو.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات