.

صوموا بالحق

Foto

كيف يمكن الاستفادة من رمضان فى رد حقوق الناس؟ هل يصح وقف الحياة تمامًا من أجل ختم القرآن 7 مرات؟


يشرق على الدنيا هلال رمضان المبارك، فتهفو إليه النفوس، وتتطلَّع إليه شوقًا، يقبل رمضان حاملًا الخير معه، يأتى بشوق ويغادر بوعد بالعودة، يحل فتحل معه الفرحة، فقد حلّ شهر ينتظره الجميع.

جدير بالملاحظة أن الغياب واحد والانتظار واحد، إلا أن الاستقبال ليس واحدًا، فالناس يستقبلون رمضان كلٌّ حسب رؤيته له.

 

هناك مَن يرى رمضان شهر العائلة
من الناس مَن ينظر إلى رمضان على أنه شهر تتوفَّر فيه الفرصة للمّ شمل العائلة، فالمسافر يعود فى هذا الشهر، والطالب المغترب يُرَتِّب أوضاعه للعودة فى هذا الشهر، والإخوة المنقطعون عن زيارة بعضهم بعضًا لانشغالات الحياة، يرتبون أنفسهم للالتقاء معًا فى رمضان. هذا النوع يستقبل الشهر الكريم بالاستعداد بعمل الولائم للإفطار الجماعى، ويرتب أيامه وَفق هذا، ومن ثَمَّ يكون كل همه تكديس الطعام وترتيب البيت لزوم الولائم، وترتيب مواعيد العزومات وقائمة المدعوين، هذا الصنف يستقبل رمضان بالطعام والشراب، ويمر رمضان والموائد لا تنقطع والمعزومون يتوافدون، ويستهلكون ميزانية البيت المحطمة من الأساس، ويمر رمضان سريعًا ويفاجئ الجميع برحيله.

 

والحق أقول لكم إن رمضان فعلًا شهر العائلة، وتكديس أيامه بالولائم يخرجه عن طبِّيته وطبيعته التى هى الصوم، والصوم هو الامتناع عن الطعام والشراب، وتحويل رمضان إلى أكثر شهر يتم فيه تناول الطعام هو تناقض دينى واجتماعى، وطبعًا ليس مقصودًا مقاطعة العائلة، لكن المقصود أن لا يتحول شهر الصوم إلى شهر الولائم، أما صلة الرحم فتتحقق بفضّ المنازعات والكف عن المشاحنات وتقديم الأعذار والتسامح مع المخطئ وسلامة الصدر، لو أن هذا النوع استقبل رمضان كـ«شهر للعائلة» عبر إعلان التسامح والتصالح مع أفراد عائلته، لو أنه أحسن استقبال رمضان بوصل المقطوع من العلاقات مع التجاوز عن الإساءات، لو أنه استقبل رمضان عبر رد الحقوق إلى المظلومين، لكان استقبالًا يليق برمضان فعلًا، لو أن الناس استقبلوا رمضان بتنقية الصدور وإعطاء الحقوق لكان أجدى لهم وأفضل.

 

هناك مَن يرى رمضان شهر التعب
نوع آخر من الناس يرى شهر رمضان شهرًا مجهدًا للإنسان، فالإفطار الساعة السادسة النصف وصلاة العشاء بعدها بساعة ونصف الساعة، وطبعًا بعد العشاء صلاة التراويح التى قد تمتد إلى قرب العاشرة مساءً، وبعدها إما زيارة وإما مشاهدة تلفاز، ثم فجأة ينتصف ليل رمضان، ولأن الإمساك عن الطعام باقٍ عليه ثلاث ساعات فيُفَضِّل أن لا ينام وينتظر السحور الذى يبدأ عادة فى الثانية والنصف، ثم يتمهَّل قليلًا حتى موعد صلاة الفجر الذى يحل فى الثالثة وأربعين دقيقة، ثم يصليها فى المسجد بطبيعة الحال، ويبدأ يخلد إلى النوم بعد الخامسة، وطبعًا إذا كان موظفًا فعليه أن يحضر فى مواعيد العمل الرسمية، أى فى الثامنة والنصف، وإذا كان صاحب عمل فسيتأخر قليلًا.. هذا النوع يرى رمضان مجهدًا، لأنه سهران طول الليل ولن يستمتع برمضان إلا بأن يحصل على الراحة البدنية اللازمة، هؤلاء يستقبلون رمضان بالحصول على أكبر قدر ممكن من الإجازات، بحجة التفرغ لرمضان من أجل الحصول على الثواب الأكبر، والثواب الأكبر لن يأتى بالتوقف عن العمل، لن يأتى بالنوم نهارًا والسهر ليلًا، لو أن هؤلاء استقبلوا رمضان بترتيب وتنظيم وقتهم لكان أفضل، لو أنهم استقبلوا رمضان بتحديد الأولويات المهمة والعاجلة لكان أجدى، لو أنهم استقبلوا رمضان بهمة ونشاط لكان أقرب إلى الله.

 

هناك مَن يرى رمضان شهر قراءة القرآن فقط
هناك مَن يرى رمضان شهر الانقطاع عن الناس لتلاوة القرآن الكريم فقط، وطبعًا تلاوة القرآن الكريم مطلب من أهم مطالب رمضان، لكن الانقطاع له فقط لم يأمرنا الله به.

 

وهذا النوع يستقبل رمضان بمصحف جديد وترتيب مكان لتلاوة القرآن، ويستحضر آلة حاسبة فى ذهنه، ليحسب كم كسب من الحسنات، تطبيقًا للمتعارف عليه أن كل حرف فى القرآن بحسنة، ويحاول هذا النوع ختم القرآن أكثر من مرة فى رمضان، ويضع جدولًا حسابيًّا يلتزم به ويحاول أن يُلزم المحيطين به كذلك، مثل لو أنك قرأت خلف كل صلاة صفحة أو صفحتَين من القرآن الكريم فهذا معناه عشر صفحات فى اليوم، يعنى فى 30 يوم 300 صفحة، أى نصف ختمة، هذا غير ختمة الصباح التى بعد الفجر التى يمكن أن تكون جزءًا من القرآن على الأقل، بما يعنى أنك تختم القرآن كله، وطبعًا هذا غير ختم صلاة العصر والمقصود بها التلاوة من العصر إلى المغرب، وهذه تمكنك من أن تقرأ أربعة أجزاء على الأقل فى اليوم الواحد، أى تختم القرآن كله فى أسبوع، يعنى أربع ختمات فى الشهر، إضافة إلى ختمة صلاة القيام وختمة صلاة التهجُّد، تلك التى تبدأ من بعد منتصف ليل 15 رمضان، هذا النوع أوقف سير الحياة الطبيعية، ليحصل على سبع أو ثمانى ختمات فى الشهر، وعلى الرغم من سلامة نية هذا النوع، فإن الله لا يريدنا أن نمارس رمضان بهذه الكيفية، أرادنا سبحانه وتعالى ممارسة الحياة اليومية فى رمضان بشكل طبيعى، فقط مع الامتناع عن الطعام، فلو أن هذا الصنف استعد واستقبل رمضان بتدبُّر آية أو آيتين لكان أفضل، ولو أنه طبق على نفسه آيات التسامح، مثل «.. ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير» سورة (البقرة- 237)، أو «ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون» سورة (البقرة- 219)، أو «خُذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» (الأعراف- 199)، لو أنه أحسن استقبال «شهر القرآن» بدلًا من تحويل القرآن إلى خوارزمية رياضية ليعرف كم سيحصل منه على حسنات لمجرد التلاوة وإهمال الفعل، لكان أجدى وأفضل.
 

إنه رمضان كيفما تراه وكما تستعد له، تحصد منه، فليس منطقيًّا أن ترى رمضان شهر الولائم وتنتظر أن تحصل على الغفران والرحمة، وليس طبيعيًّا أن توقف العمل فى رمضان وتظن أنك ستحصد الثواب الأكبر، وليس منطقيًّا أن تظل تكرر آيات القرآن دون تدبُّر وتزعم أن هذا مراد الله، إن أفضل ما نستقبل به رمضان: العفو عن الناس والإحسان والبر وصلة الأرحام وتطهير القلوب من أدران الأحقاد والبغضاء والحسد والغِل والشّحناء، حتى تصلح القلوب، وتنتفع بما ينزل عليها من السماء، وتستحق المغفرة والرحمة من ذى الجلال والكبرياء «فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ» (الأنفال- 1)، فإن الذى يطلُّ عليه شهر رمضان قاطعًا لأرحامه هاجرًا لإخوانه، هيهات هيهات أن يستفيد من رمضان مهما استعد بولائم أو قرأ القرآن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات