.

فى التأريخ الهجرى

Foto

هل فعلا التاريخ العربى لم يبدأ إلا فى العام 17 هجرية؟ لماذا قاوم الصحابة فكرة التاريخ من أساسها؟ لماذا أطلق المسلمون على الفترة قبل الإسلام أنها جاهلية؟


مع كل عام هجرى وكلما قاربنا على انتهاء شهر «ذو الحجة» والاقتراب من «المحرم»، نستمع إلى الخطباء على المنابر والشيوخ التليفزيونيين وحتى إذاعة القرآن الكريم وكثير من الكتاب وهم يتحدثون جميعا حول أمرين لا ثالث لهما، الأول هو بداية العام الهجرى والحديث عن الهجرة النبوية وما صاحبها من أعمال خارقة تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن محمدا صلى الله عليه وسلم مؤيد من قوى عُليا وهو الله -عز وجل- وأنه يحميه وينصره، ثم يتحدثون عن الهجرة بالتفصيل وأنها لم تكن فى المحرم بل كانت فى ربيع أول، ومن هنا يدخلون بنا إلى الحديث المتكرر عن أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- عندما أقدم فى العام 16 هجرية بعمل تقويم هجرى للمسلمين وأنه رضى الله عنه استشار الصحابة الكرام فلم يقبلوا بمثل هذا العمل بحجة أن الرسول لم يقم به ولم يأمر به، فبالتالى هى بدعة مرفوضة وسيحكون لنا أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- كتب إلى أبى موسى الأشعرى عامله على البصرة وذكر فى كتابه شهر شعبان فرد أبو موسى الأشعرى أنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب ليس فيها تاريخ، وقد قرأنا كتابًا محله شعبان فما ندرى أهو شعبان الذى نحن فيه أم الماضى.

فجمع الخليفة عمر الصحابة وأخبرهم بالأمر وأوضح لهم لزوم وضع تاريخ يؤرخ به المسلمون فأخذوا فى البحث عن واقعة تكون مبدأ للتاريخ المقترح فذكروا ولادته صلى الله عليه وآله وسلم ومبعثه ووفاته، لكن الإمام على بن أبى طالب أشار بجعله يوم هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة، فراقت الفكرة للخليفة عمر وسائر الصحابة فأرخوا بها، ثم بحثوا موضوع الشهر الذى تبدأ به السنة واتخذوا شهر محرم بداية للسنة الهجرية مع أن الهجرة النبوية الشريفة وقعت فى شهر ربيع الأول هنا استقر المسلمون فى المدينة على اعتبار التقويم العربى يبدأ من هجرة الرسول باعتبارها أعظم الأعمال التى مرت على المسلمين وأن العام الهجرى يبدأ بشهر المحرم الذى هو منصرف الحجيج، ومن هنا كان ابتداء المسلمين بالتاريخ واستخدام التقويم الهجرى الذى يعتمد على الحساب القمرى الذى هو يختلف عن التقويم الشمسى بـ11 يوما، هذه القصة التى ستسمعها كثيرا وسوف تعجب جدا بها رغم أن هذه القصة تبدوا مفككة جدا، ومنتحلة تماما وعارية من الصحة، لماذا؟ فالعرب قبل الإسلام كانت لهم حياة كاملة فيها نظام حكم، ولهم دواوين، ولهم حسابات ولهم تجارات، ولهم دين ولهم كتب وثقافات، ولهم مؤتمر أدبى يجتمعون فيه «سوق عكاز» هذه الحياة سماها المسلمون أنها جاهلية «تمام لن أعترض» فهى جاهلية فعلا، لكن هذه الجاهلية لم تكن عبارة عن قوم متخلفين همج أو عبارة عن قوم بله ومعتوهين لا يعرفون من أمور الدنيا أى شىء، لماذا أشعر أن هذا غير صحيح بالمرة، هى جاهلية؟ نعم ولكنها بمعنى عقائدى أى أنهم لم يكونوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فقط، فنحن نجد على طول التاريخ الإنسانى أن هناك دولا عربية كانت قائمة ولها وجود وقوة سياسية وجغرافية واقتصادية مثل دولة «حمير» «الغساسنة» «المناذرة» هذه الدول كانت فى عموم الجزيرة العربية ولا شك أنها كانت ذات تأثير على باقى القبائل المحيطة بهم ومن المؤكد أنه كانت لديهم علوم متوارثة فى مجالات مختلفة، فى مجال الفلك الذى كان الجاهليون يدعونه «علم الأنوار» عرفوا به مواقع النجوم واستدلوا بها للاهتداء إلى مسالكهم فى البر والبحر، ولهم معرفة فى أوقات ظهور الكواكب حيث كانوا يعبدون بعض الكواكب لا سيما «الزهرة» التى تظهر فى أوقات محددة والتى مثلوها بصنم هو «العزى»، وكانت أيضا لديهم خبرة لا بأس بها فى مجال هندسة المياه نجد أنهم قد ابتكروا نظام القنوات المائية «الأفلاج» وهى إحدى محافظات منطقة الرياض العشرين فى المملكة العربية السعودية حاليا، وقاعدتها مدينة ليلى هذا الاكتشاف قبل العام 1000 ق.م مرة أخرى ألف سنة قبل الميلاد! وأيضا أقاموا السدود منذ وقت مبكر وأشهر تلك السدود هو سد مأرب الذى يغذى بشبكة قنواته نحو 72 كم2 وقد اكتشفت نماذج أولية من محركات هيدروليكية فى معبد أوام باليمن، الخلاصة لم يكن العصر الجاهلى جاهلى المعرفة والابتكار، فقط كان جاهلى العقيدة «بحسب الرؤية الأصولية الإسلامية» فهل يعقل أن دولا كهذه قامت وانتشرت وأدارت حروبها العسكرية، وعلوم أنشئت وابتكرت، وتجارة تسير بين اليمن وبين الشام، وتبادل تجارى وتبادل ثقافى بل وتأثر بالأفكار وبالديانات لا يكون لديهم تقويم؟ تقويم مجرد أن يخترعوا حدثا مهما يحسبون عليه؟ ألم يخبرونا فى كتب التراث أن الشهور العربية قد أسماها العرب بمناسبات مختلفة، ألم يقر القرآن أن هناك عملية اسمها النسىء «وهو ما لا يقبله الإسلام» كيف يكون هناك نسىء وليس هناك تقويم كيف يكون هناك شهور عربية تم تسميتها وليس هناك تقويم؟ أزعم أنه ولابد أنه كان هناك تقويم ما، فليس من المعقول أن يتأثر عمرو بن لحى بالأصنام فى الشام ولا ينتبه إلى أنهم يستخدمون التقويم ويقبع فى جاهليته القرون التالية لا يعرفون أولهم من آخرهم، إلى أن يأتى عمر بن الخطاب ويقرر أن يكون للعرب تقويم، أتخيل أنه كان هناك تقويم ولأن مرحلة التدوين الإسلامى كانت ترغب وبشدة لأمر ما زال خفيا ولا يعلمه إلا الله أن يكون تدوينهم انتقائيا، فقد قاموا بإخفاء كل التاريخ الشفهى والكتابى والتأريخ العربى قبل الإسلام، حتى أنهم لم يكونوا يتناولون الشعر الجاهلى إلا بكثير من الحذر، ربما كان المدونون العرب فى صدر الإسلام يمتلكهم رعب ما من أن تنتكس العرب مرة أخرى عندما يطالعون أمجاد عروبتهم ربما؟ الله أعلم أو ربما كان التاريخ السابق للعرب قبل الإسلامى لا يجعل المسلمين بارعين جدا وبازغين جدا كما يقدمهم المؤرخون المسلمون، وكما أن الدنيا كانت غارقة فى الجهل والتخلف قبل أن تشرق الجزيرة بنور ربها فى صورة الإسلام المحمدى، الغريب لم يكن هذا هو هدى النبى محمد صلى الله عليه وسلم فهو باع واشترى حسب العملة الرومانية التى كانت تتداول فى الجزيرة، رغم أن هناك إشارات أنهم كانوا يؤرخون بعام الفيل وهو غير دقيق، إلا أن الراجح أنه كان هناك تاريخ وتقويم ومكاتبات، وأن هناك من جمع هذه الكتابات ولكن سطوة المسلمين الأوائل جعلت هذه الكتابات تختفى ويضيع معها كل أثر عن هذه الحضارات العربية المندثرة أو تلك الحياة الثقافية التى كانت موجودة قبل الإسلام، وإلى أن يأتى باحث جسور يكشف لنا خبايا التاريخ العربى سنقبع نستمع إلى شيوخنا الأجلاء وهم يقولون إنه لم يكن هناك تأريخ عربى قبل عمر بن الخطاب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات