.

«قصة حب».. كثير من «الفيديو كليب» وقليل من السينما

Foto

سيتم تقييمك إذا نجحت فى مداعبة عواطف المشاهدين والتأثير فيهم حد البكاء كما فعلت خلطة عثمان أبو لبن وأمانى التونسى المسماة «قصة حب»


موعد طرح الفيلم بدور العرض جاء فى عيد الحب، واسمه «قصة حب»، والملصق الدعائى له يحمل صورة البطلَين وعلى ملامحهما كل علامات الحب.. إذن نحن لسنا بحاجة إلى أحد يحكى لنا قصة الفيلم حتى نعرف أنه يتحدث عن الحب والمحبين، أى أننا أمام عدد من أهل السينما قرروا أن يقدموا لنا فيلمًا رومانسيًّا مع سبق الإصرار والترصد. وهذا أمر -بمفرده- ما كان يجب أن يجعلنى أدخل قاعة العرض وأنا أتوقع أن أشاهد فيلمًا رومانسيًّا يقوم فى أساسه على شخصيات لديها دوافع تقودها عواطفها، ويغلف أحداثه نوع من التمرد على الواقع والمجتمع متسلحًا بالحب.. ما كان يجب أن يحدث ذلك حتى لا يسقط سقف توقعاتى على رأسى عندما أجدنى أشاهد فيلمًا ظن أصحابه أن الرومانسية هى استدرار الدموع من أعين الجمهور من خلال تشكيلة من «المُحن» و«الصعبانيات».

 

«قصة حب» نشأت بين «يوسف» (أحمد حاتم) الشاب الذى يفقد بصره بشكل مؤقت بعد تعرضه لحادثة، و«جميلة» (هنا الزاهد) الفتاة التى كانت تعمل مرشدة سياحية وتتفرغ الآن لرعاية الأطفال فى إحدى دور الأيتام. وبعد مصادفة جمعت بينهما تبدأ علاقة حب تتطور سريعًا لدى «يوسف» بسبب ما وجد من اهتمام «جميلة» به، وتمر بمراحل مختلفة بعضها حلو والآخر غير ذلك.
 

الدرس الأول، والأهم، الذى يمكن أن يخبرك به أى سيناريست أو أديب عن كيفية خلق شخصية درامية مؤثرة ومقنعة للمتلقى هو امتلاك هذه الشخصية دوافع قوية ومنطقية، تبرر تصرفاتها حتى لو لم نتفق معها أو نستحسنها. أما تضمُّن عمل درامى شخصية لا نفهم لماذا يأتى سلوكها بهذه الصورة فسيكون فى أحسن الأحوال «حدوتة» للأطفال نسليهم بها قبل النوم.. وهذا ما ينطبق تمامًا على قصة فيلم «قصة حب».
 

فهل يعرف عثمان أبو لبن، مخرج الفيلم، أو أمانى التونسى، كاتبة السيناريو، لماذا كانت تتصرف «جميلة» طوال الأحداث بطريقة غير مبررة أو ظاهرة الدوافع؟ سواء فى وقوعها فى حب شاب لا تعلم عنه أو عن حياته شيئًا تقريبًا، ولم نرَه يبذل أى مجهود من أجل الوصول إلى قلبها، اللهم إلا إذا كانت «الإفيهات» ثقيلة الدم التى يلقيها باستمرار قد سحرتها وملكت عليها مشاعرها!
 

وبالمثل أتحدى أحدهما أن يقول إن المئة دقيقة، زمن الفيلم، جاء بها تفسير لرفض «جميلة» حب «خالد» (مؤمن نور)، الطبيب المعالج لها، أو تفسير لتمسُّك «خالد» بها على الرغم من معرفته بحبها ليوسف! بالطبع أنا لا أنتظر إجابات من المخرج أو الكاتبة، ليس فقط لأن أى شرح أو تبرير سيكون مجرد تصورات فى عقليهما لا وجود لها فى أحداث الفيلم، لكن أيضًا بسبب إمكانية استنباط تفسير من الشكل العام لـ«قصة حب»، الذى يمكننا أن نخمن كيف كان الجو المسيطر على مرحلة ما قبل تصويره، والذى بالتأكيد كان يتمثل فى مباراة بين صُناع العمل فى وضع مشاهد وخطوط درامية «بتجيب مع الجمهور»، بعيدًا عن درجة تماسكها أو مدى إحكام حبكتها. هنا فقط يصبح مفهومًا لدينا أن علاقة «جميلة» و«خالد» كانت بهذه الصورة، لأن الجمهور -أغلبه من المراهقين بالطبع- يتأثر كثيرًا إذا وجد علاقة حب من طرف واحد، يرضى فيها أحدهما أن يبقى بجوار محبوبه، الذى لا ولن يحبه، مكتفيًا بمحاولة إسعاده. كذلك يصبح مفهومًا أن «جميلة» أحبَّت «يوسف» بهذه القوة، لأن الجمهور ينبهر عندما يشاهد فتاة حسناء تقع فى حب شاب ظروفه سيئة، ويرى ذلك قمة الرومانسية التى خلقها الله. وفى السياق نفسه سوف ندرك أهمية مشهد سقوط «يوسف» فى حمام السباحة وقفز «جميلة» إليه، وقيمة مشهد مقابلة «جميلة» و«خالد» بما يوحى بوجود علاقة عاطفية بينهما.. فالأول مهم، لأنه «بيجيب مُحن» والثانى ذو قيمة لأنه «بيعمل صعبانيات» لدى المشاهدين.
 

وهذا بالضبط ما يجعلنى أرى فى «قصة حب» كثيرًا من الفيديو كليب وقليلًا من السينما، لأن طريقة بناء عمل درامى بسياسة «حط دى أصلها هتجيب مع الجمهور» هى طريقة تتماشى تمامًا مع إنتاج فيديو كليب لأغنية رومانسية أو حزينة، حيث لن ينتظر منك أحد وجود دوافع منطقية لدى الشخصيات، أو تفسير وضع مشاهد لا تفيد تصاعد القصة وتعقيدها.. فقط سيتم تقييمك إذا نجحت فى مداعبة عواطف المشاهدين والتأثير فيهم حد البكاء، كما فعلت خلطة عثمان أبو لبن وأمانى التونسى المسماة «قصة حب».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات