.

انظر وراءك فى غضب

Foto

كانت أفكار جون أوزبورن مع بقية هؤلاء الكتاب تنطلق من مبادئ الرفض والغضب وفقدان الثقة بكل القيم الأخلاقية والأنظمة السياسية التى قوّضت كل المبادئ السامية


جاءت مسرحية «انظر وراءك فى غضب» لـ«جون أوزبورن» فى منعطف زمنى خطير يحاول فيه مسرح العبث أن يضع أقدامه على المسرح الإنجليزى بقوة، بأعمال بيكيت ويونسكو وآداموف، حيث كان مسرح العبث مهمومًا برصد الواقع الاجتماعى والمتغيرات التى تلحق بنسيجه ووضع بصمة شديدة الحساسية، تلك التغييرات الاجتماعية التى كانت تعصف بنسيج المجتمع الإنجليزى، الذى واجهته موجة الشباب الغاضب الذى أعلن غضبه على كل ما هو سائد فى مجتمع غير بناء، منغلق، صار الخواء الثقافى والأدبى والتقليدية عناوين بارزة له، وشاع فى تلك الآونة اعتقاد بأن الإنسان موجود فى عالم غير عقلانى وعديم المعنى، لا تحكمه قواعد أو تقاليد أو حتى قانون، وأن كل محاولاته لإيجاد النظام أو حتى البحث عنه فى ثنايا هذا المجتمع المتهرئ يدخله فى صراع دائم مع هذا العالم، ومن هنا تبلورت فلسفة العبث التى امتزجت مع موجة الشباب الغاضب.

 

كانت أفكار جون أوزبورن مع بقية هؤلاء الكتاب تنطلق من مبادئ الرفض والغضب وفقدان الثقة بكل القيم الأخلاقية والأنظمة السياسية التى قوّضت كل المبادئ السامية التى كان يتمسك بها الأجداد والآباء بعد انتهاء الحربين العالميتين.

جاء جيل جديد مضطرب تائه لا يؤمن بالأيديولوجيا ولا حتى بالدين ولا بأخلاقيات المجتمعات التى لم تقف حائلاً بين نشوب الحربين، ومن ثَمَّ خلفت وراءها ملايين الضحايا والجرحى والمدمرين نفسيًّا.

جاء الجيل الجديد ليعلن غضبه وسخطه، ومن أشكال هذا التمرد الذى ساد بين تلك الكوكبة أن تمردوا على المسرح الأرسطى، ونبذوا عناصره الثلاثة: الزمان، والمكان، والحدث.

 

هكذا يمكن أن يتدفق تيار الغضب ليقتلع كل جذور الفساد والقهر والقيم الرديئة التى قهقرت الشعوب للخلف، تَهُبُّ الجموع من غفلتها فى لحظة ما سواء حددها القدر أو حددتها أيديولوجيات فكرية أو ثقافية لتغيير هذا النمط من الحياة على نحو تدريجى أو بشكل قاطع، تجتاح أمواجها كل الحصون المنيعة وتهدم الجسور وترسم بالدماء لوحات بطولية باسلة، وتكتب أدب الغضب وتعلى راية الحرية والتمرد لدرجة أن الجندى الذى يقف حارسًا للمستبد فى انتظار أجره عن عمل لم يفكر فى شرعيته أو قيمته للمجتمع، وربما يتخلى عن كل شىء وينحاز للثوار الغاضبين.

 

خرج جون أوزبورن من عباءة تلك الأفكار وتذوق طعمها حتى ولو شابته المرارة، وأعلن غضبه وفى جعبته ميثاق الغضب على ما هو موروث ويضع نبتته الجديدة فى تربة غير خصبة فيلفظها المجتمع فى البداية ولم يتقبلها.

 

جيمى بورتر ذلك الشاب الذى ينتمى لجيل الشباب الغاضب، دائم التذمر والقلق والشكوى يصطدم بزوجته الساكنة الوديعة ويصب جامّ غضبه عليها وعلى البيت والمجتمع بأسره لا يتبنى قضايا الشباب.

يتصاعد الخلاف بين بورتر وأليسون، ولم تفلح صديقتهما هيلينا برأب الصدع الذى بدأ يتسع بسبب غضبه المتنامى إلا حينما تخبره بأنه يوشك بأن يصبح أبًّا.

 

يحاول أوزبورن فى هذه المسرحية إظهار الفجوات العميقة التى ظهرت فى المجتمع الإنجليزى، وشخصيات خاسرة ليس للمسرح الإنجليزى عهد بها، عصر أساسه تفسخ العلاقات وتنامى الغضب وصعوبة التواصل بين الأجيال بشكل عام والشباب بشكل خاص.

 

عندما كان لورانس أوليفييه يقوم بدوره فى فيلم «الأمير وفتاة الاستعراض» اصطحب معه أرثر ميلر ومارلين مونرو. خجل أوليفييه من المسرحية، لكن ميلر أقنعه بعظمتها وكونها عملاً مسرحيًّا خلاقًا، وعندما شعر أوليفييه بطعم التغيير فى الثقافة، وأن حركة الشباب تهز كيان المسرح، واقتنع بأن شيئًا جديدًا يسود المجتمع بفكر ورؤى وفلسفة جديدة قادرة على إلقاء طوبة فى الماء الراكد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات